كل الأوراق
نظام Lavender: التشغيل الآلي للقتل في غزة
ورقة موقف

نظام Lavender: التشغيل الآلي للقتل في غزة

2026-05-15

مقدمة

كشفت التحقيقات الصحفية والاستقصائية التي نُشرت منذ نيسان/أبريل 2024 عن استخدام جيش الاحتلال الإسرائيلي منظومات ذكاء اصطناعي متقدمة في عمليات الاستهداف خلال الإبادة الجماعية في غزة، وفي مقدمتها نظام لافندر، الذي وُصف بأنه أداة لتصنيف الأفراد وتوليد قوائم أهداف اعتمادًا على التحليل الخوارزمي للبيانات الضخمة.

ورغم أن حكومة الاحتلال تنفي أن تكون هذه الأنظمة “تتخذ قرار القتل بشكل مستقل”، فإن الشهادات التي أدلى بها ضباط استخبارات لوسائل إعلام استقصائية دولية تشير إلى أن الإشراف البشري تقلّص عمليًا إلى مراجعات شكلية سريعة، بينما أصبحت الخوارزمية المحرك الأساسي لعمليات تحديد الأهداف.

تكمن خطورة Lavender في أنه لا يمثل مجرد تطور تقني في أدوات الحرب، بل يعكس انتقالًا نوعيًا نحو “الأتمتة العسكرية للقتل”، حيث يتحول الإنسان إلى “احتمال إحصائي” داخل قاعدة بيانات ضخمة، ويصبح القرار المرتبط بالحياة والموت قائمًا على أنماط اتصال وعلاقات اجتماعية وتحليلات رقمية، ضمن بيئة تشهد أصلًا انهيارًا واسعًا للحماية المدنية خلال الإبادة الجماعية في غزة.

تهدف هذه الورقة إلى تحليل طبيعة نظام Lavender، وآليات عمله، والسياق العملياتي الذي استُخدم فيه، إضافة إلى تقييم تداعياته القانونية والأخلاقية والسياسية، وتقديم مجموعة من التوصيات المتعلقة بتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري ومنع تحويله إلى أداة للقتل الجماعي المؤتمت.

أولًا: ما هو نظام لافندر؟

بحسب التحقيقات المنشورة، يعمل لافندر كنظام تصنيف احتمالي للأشخاص، طوّرته أجهزة الاستخبارات التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي بهدف تحليل كميات ضخمة من البيانات وتحديد الأشخاص الذين تصنفهم منظومة الاحتلال باعتبارهم مرتبطين بالفصائل الفلسطينية المسلحة.

يعتمد النظام على تقنيات التعلم الآلي لتحليل أنماط الاتصالات والعلاقات الاجتماعية والتحركات الرقمية، ثم يمنح الأفراد “درجة احتمالية” تشير إلى مستوى الاشتباه. وتشير التحقيقات إلى أن النظام استخدم خلال الأشهر الأولى من الإبادة الجماعية لتوليد قوائم واسعة من “الأهداف البشرية” بوتيرة غير مسبوقة.

ووفقًا للشهادات المنشورة، لم يكن لافندر نظامًا مستقلًا بالكامل يطلق النار تلقائيًا، بل جزءًا من منظومة أوسع تضم أدوات مراقبة وتحليل وتتبع مثل:

  • Where’s Daddy؟ لتتبع وجود الأشخاص داخل المنازل.

  • The Gospel لتوليد أهداف مرتبطة بالبنية التحتية والمباني.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن دور العنصر البشري تقلّص عمليًا إلى المصادقة السريعة على توصيات النظام، ما أدى إلى تآكل مفهوم “الحكم البشري الفعّال” في قرارات الاستهداف.

ثانيًا: كيف يعمل النظام؟

تشير المعطيات المتاحة إلى أن لافندر يعتمد على دمج وتحليل أنواع متعددة من البيانات، تشمل:

  • الاتصالات الهاتفية المعترضة.

  • البيانات الخلوية وتحركات الهواتف.

  • الصور والمقاطع المصورة.

  • العلاقات العائلية والاجتماعية.

  • سجلات الاتصال والرسائل.

  • بيانات المراقبة الواسعة النطاق.

ثم تُستخدم هذه البيانات لتدريب نموذج تصنيف احتمالي يعتمد على “السمات المشتركة” بين أشخاص معروفين سابقًا بانتمائهم العسكري، وبين سكان آخرين في غزة.

وبحسب التحقيقات، فإن النظام كان قادرًا على تصنيف عشرات آلاف الأشخاص كأشخاص وضعتهم المنظومة ضمن قوائم الاشتباه الإسرائيلية خلال فترة قصيرة جدًا، ما حوّل عملية الاستهداف من عملية انتقائية محدودة إلى عملية إنتاج جماعي للأهداف.

كما تشير الشهادات إلى أن المراجعة البشرية لبعض الأهداف لم تكن تتجاوز ثوانٍ معدودة، مع اعتماد واسع على توصيات النظام، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مدى جدية التحقق القانوني والإنساني قبل تنفيذ الضربات.

ثالثًا: لافندر والإبادة الجماعية في غزة

تكشف التحقيقات أن استخدام Lavender ارتبط بتوسيع غير مسبوق في نطاق الاستهداف خلال الإبادة الجماعية في غزة، خصوصًا في الأسابيع الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبحسب المصادر ذاتها، جرى استخدام النظام لإنتاج قوائم ضخمة من “الأهداف البشرية”، مع تنفيذ ضربات داخل منازل المدنيين، غالبًا خلال ساعات الليل، حين يكون وجود الأشخاص داخل بيوتهم أكثر احتمالًا.

وتشير الشهادات المنشورة إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل مسبقًا بسقوف مرتفعة جدًا للضحايا المدنيين عند تنفيذ بعض الضربات، بما يشمل استهداف أشخاص داخل منازلهم باستخدام ذخائر غير موجهة.

ورغم عدم وجود قاعدة بيانات علنية تربط كل ضربة باسم Lavender مباشرة، فإن التحقيقات الميدانية وتقارير المنظمات الحقوقية توثق نمطًا واسعًا من الضربات التي أدت إلى محو عائلات كاملة من السجل المدني، واستهداف مبانٍ سكنية ذات كثافة مدنية عالية، في سياق يتوافق مع آلية الاستهداف الجماعي التي تحدثت عنها التحقيقات الاستقصائية.

رابعًا: التداعيات القانونية والأخلاقية

يثير استخدام لافندر أسئلة خطيرة تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، خصوصًا في ما يتعلق بمبادئ:

  • التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية وفق ادعاءات الاحتلال

  • التناسب في استخدام القوة.

  • واجب اتخاذ الاحتياطات الكافية قبل الهجوم.

  • المسؤولية القانونية عن القرارات العسكرية.

فإذا كان تصنيف الأشخاص يتم اعتمادًا على مؤشرات احتمالية وتحليل خوارزمي للبيانات، فإن خطر الخطأ يصبح مرتفعًا للغاية، خصوصًا في بيئة مكتظة بالسكان وتخضع لمراقبة جماعية شاملة.

كما أن اختزال المراجعة البشرية إلى إجراءات شكلية سريعة يعني عمليًا أن القرار الحقيقي أصبح صادرًا عن الخوارزمية، حتى وإن بقي “الزر النهائي” بيد الإنسان.

أخلاقيًا، يكشف لافندر عن تحول خطير في طبيعة الحروب الحديثة، حيث يجري تجريد الإنسان من فردانيته وتحويله إلى “نقطة بيانات” داخل نموذج إحصائي، ما يسهّل تبرير القتل الجماعي تحت غطاء “الدقة التقنية”.

خامسًا: التداعيات السياسية والاستراتيجية

يمثل Lavender نموذجًا متقدمًا لما يمكن تسميته بـ”القتل الخوارزمي”، وهو تطور قد لا يبقى محصورًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

فاتساع هذا النموذج — من منظور عسكري — قد يدفع جيوشًا ودولًا أخرى إلى تبني أنظمة مشابهة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، خصوصًا مع التوسع العالمي في استخدام البنى السحابية والتحليل اللغوي الآلي وأنظمة المراقبة الجماعية.

كما أن اعتماد جيش الاحتلال الإسرائيلي على شركات وتقنيات تجارية عالمية يثير تساؤلات متزايدة حول مسؤولية الشركات التقنية العابرة للحدود في دعم عمليات المراقبة والاستهداف العسكري.

وفي ظل غياب قواعد دولية صارمة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري، فإن استمرار هذا المسار يهدد بتحويل الحروب المستقبلية إلى ساحات قتل مؤتمت واسع النطاق، مع تآكل متزايد للمساءلة القانونية والأخلاقية.

الكلمات المفتاحية

مرحبًا، أنا يبوس 👋·كيف يمكنني مساعدتك؟