
ما جرّبه الاحتلال من تقنيات الذكاء الاصطناعي في غزة سيصبح سلاحاً أمريكياً رسمياً
لم يعد التحالف العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل يُقاس بعدد الصواريخ المشتركة أو حجم المخزون الحربي، بل باتت لغته الجديدة هي الخوارزميات، والأنظمة المستقلة، والحوسبة الكمية، والذكاء الاصطناعي القاتل. هذا ما تكشفه بوضوح لا يحتمل التأويل مسودة قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي للسنة المالية 2027 (FY27 NDAA Chairman's Mark)، الصادرة في مايو 2026 عن لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأمريكي.
القانون، الذي يمتد على 505 صفحة ويحكم الإنفاق الدفاعي الأمريكي لعام 2027، لا يتناول التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي باعتباره شراكةً أمنية تقليدية، بل يُرسي منظومةً مؤسسية قانونية ملزمة تجعل الاحتلال الإسرائيلي شريكاً تقنياً محورياً في ثورة الذكاء الاصطناعي العسكري الأمريكي. الأهم من ذلك: أن هذا القانون لا يتحدث عن المستقبل — بل يبني البنية التحتية القانونية والمؤسسية لنقل تجارب الاحتلال الإسرائيلي الميدانية في الذكاء الاصطناعي مباشرةً إلى المنظومة العسكرية الأمريكية اليوم.
الفصل الأول: المادة 224 — بنية قانونية للتعاون في الذكاء الاصطناعي
الوكيل التنفيذي: مهندس الدمج التقني
الركيزة المحورية في الملف هي المادة 224 التي تُلزم وزير الدفاع الأمريكي بتعيين وكيل تنفيذي رسمي (Executive Agent) مخصص حصرياً لتسريع التعاون التقني-الدفاعي مع إسرائيل. هذا ليس منصباً استشارياً أو تنسيقياً عابراً — بل هو إلزام قانوني بوجود مسؤول رفيع المستوى تقع على عاتقه مسؤولية تحويل التقنيات الإسرائيلية المشتركة إلى برامج أمريكية رسمية معتمدة (Programs of Record)، أي تلك التي تحظى بالتمويل المستدام والتعاقدات الحكومية الكاملة.
مهمة هذا الوكيل التنفيذي تبدأ من رصد كل تقنية إسرائيلية ذات جدوى عملياتية وتقييمها، ثم تسهيل دمجها مباشرةً في المنظومات الأمريكية العملياتية، وصولاً إلى إنشاء أطر قانونية للمشاريع المشتركة وشراكات الإنتاج المشترك داخل الأراضي الأمريكية مع الصناعة الإسرائيلية.
الذكاء الاصطناعي في قلب المجالات التعاونية
القانون يحدد عشرة مجالات للتعاون، ويضع الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والحوسبة الكمية والأنظمة المستقلة في المرتبة الرابعة نصاً — لكن عملياً، وعند قراءة القانون كاملاً، يتضح أن الذكاء الاصطناعي هو الخيط الرابط لكل المجالات الأخرى دون استثناء:
- مكافحة الطائرات المسيّرة: لا يمكن أن تعمل منظومات Counter-UAS بدون خوارزميات تعريف وتعقب وتدمير فوري.
- الدفاع الصاروخي والجوي: الاعتراض يعمل في أجزاء من الثانية، مما يجعل الذكاء الاصطناعي شرطاً لا خياراً.
- الطاقة الموجهة والاستشعار المتقدم: منظومات لا تعمل إلا بمعالجة بيانات فائقة السرعة بالذكاء الاصطناعي.
- الحرب الإلكترونية والدفاع الإلكتروني: الاستجابة السيبرانية الفورية مبنية على نماذج تعلم آلي.
- دمج الشبكات وتحليل البيانات: هذا هو الذكاء الاصطناعي بتعريفه الأصلي — معالجة البيانات واتخاذ القرار.
بمعنى آخر: الذكاء الاصطناعي ليس مجالاً واحداً من عشرة، بل هو البنية التحتية التي تُشغِّل المجالات الأخرى كلها.
الفصل الثاني: الذكاء الاصطناعي في المنظومة العسكرية الأمريكية — ما يبنيه هذا القانون
لفهم ضخامة ما يعنيه التعاون معالاحتلال الإسرائيليفي الذكاء الاصطناعي، لا بد من استيعاب الإطار الأمريكي الأشمل الذي يرسيه نفس القانون:
1. إدارة القتال المستقلة عبر طيف الصراع كاملاً
أدرج القانون برنامجاً مخصصاً باسم "Autonomous Battle Management Across the Full Spectrum of Conflict" — إدارة ميدان المعركة بشكل مستقل عبر جميع أنواع الصراعات. هذا البرنامج يعني أن الذكاء الاصطناعي لن يكتفي بدعم القرار العسكري، بل سيتولى إدارة جوانب من العمليات القتالية باستقلالية.
2. الذكاء الاصطناعي تحت الماء
برنامج مستقل بعنوان "Undersea Artificial Intelligence / Machine Learning" لتطبيقات الغواصات والحرب تحت الماء — مجال شديد الحساسية الاستراتيجية.
3. الذكاء الاصطناعي في منظومات الصواريخ الفائقة السرعة
أُدرج صراحةً "AI Enhanced Hypersonic Seeker" ضمن برامج التطوير، أي ذكاء اصطناعي مدمج في رأس الصاروخ الفائق السرعة لتعزيز دقة الاستهداف.
4. الاستقلالية التعاونية للأنظمة غير المأهولة
برنامج "Scalable Collaborative Autonomy for Unmanned Systems" — أي مجموعات من الأنظمة غير المأهولة تتعاون فيما بينها بشكل مستقل لتنفيذ مهام قتالية.
5. طائرات القتال التعاونية (CCA)
برنامج الطيران المقاتل المستقل "Collaborative Combat Aircraft" الذي يضم طائرات بدون طيار تعمل جنباً إلى جنب مع مقاتلات مأهولة، موجَّهة بالذكاء الاصطناعي.
6. ذكاء اصطناعي للمستشعرات والإجراءات المضادة
أُدرج برنامج "AI Hardware and Software for Sensors and Countermeasures" ضمن ميزانية قيادة العمليات الخاصة — مما يعني تطبيق الذكاء الاصطناعي في أكثر العمليات سرية.
7. شبكة الإطلاق المشتركة (Joint Fires Network)
منظومة C2 مدمجة تربط جميع منصات الإطلاق بشبكة موحدة، وهي العمود الفقري لاستراتيجية JADC2 (الإطلاق المشترك عبر الميادين).
8. بنية تحتية للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والحوسبة الكمية
أُدرج برنامج "UCAH Classified AI/ML and Quantum Computing Infrastructure Project" — بنية تحتية مصنفة سرية للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والحوسبة الكمية في تطبيقات الطيران المقاتل.
الفصل الثالث: لماذا "إسرائيل" بالذات؟ — ما تملكه تل أبيب لا تملكه واشنطن
السؤال الجوهري هو: لماذا يحتاج أقوى جيش في العالم إلى شراكة تقنية مع دولة تعداد سكانها تسعة ملايين نسمة؟ الجواب في كلمة واحدة: التجربة الميدانية الحية.
البيانات الميدانية لا تُشترى من المختبرات
الذكاء الاصطناعي العسكري يحتاج لبيانات تدريب ضخمة وحقيقية. الاحتلال الإسرائيلي يمتلك بيانات حروب حديثة — في غزة، لبنان، وسوريا — من تشغيل منظومات Counter-UAS، والاعتراض الصاروخي، والاستهداف الآلي، في بيئات قتالية حقيقية ضد تهديدات حقيقية. هذه البيانات لا يمكن محاكاتها في مختبر.
من "قبة حديدية" إلى "قبة ذهبية"
القانون يُدرج "Golden Dome for America Fund" كبند تمويلي مستقل — مشروع أمريكي مستوحى مباشرةً من المفهوم الإسرائيلي للدرع الصاروخية متعددة الطبقات. ليس مصادفةً أن المادة 224 تُلزم بالتنسيق مع وكالة الدفاع الصاروخي (MDA) مع الجانب الإسرائيلي تحديداً في مجال "تقنيات الدفاع الجوي والصاروخي".
التقنيات تحت الأرض
المادة 1222 تُوسِّع نطاق التعاون في "مكافحة التهديدات تحت الأرض" من الأنفاق فقط إلى "الأهداف الأرضية المحصّنة" بجميع أنواعها، ويصبح تعاوناً قانونياً رسمياً بين البلدين مع التنصيص على دور الذكاء الاصطناعي في تحديد هذه الأهداف وتدميرها.
مكافحة الطائرات المسيّرة
المادة 1223 تُمدِّد التعاون في مكافحة الأنظمة غير المأهولة حتى 2029 عبر جميع الميادين — جوًا وبحرًا وبرًا. وقد طور الاحتلال الإسرائيلي وجرّب ميدانياً منظومات Counter-UAS تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعريف الأهداف وتعقبها وإسقاطها في ثوانٍ، وهذه التجربة تحديداً ما تسعى أمريكا لاستيعابها.
الفصل الرابع: المؤسسات المُكلَّفة بالتنفيذ — من يقود هذا التحول؟
يُلزم القانون صراحةً بإشراك هذه المؤسسات في التنسيق مع الجانب الإسرائيلي بشأن الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة:
وحدة الابتكار الدفاعي (DIU): المختبر السريع لاعتماد التقنيات التجارية في التطبيقات العسكرية — وهي الجهة التي ستُحوّل تقنيات AI الإسرائيلية من النماذج الأولية إلى منتجات عسكرية قابلة للنشر.
وكالة DARPA: قلب البحث العسكري المتقدم الأمريكي. إشراكها يعني أن التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي لن يقتصر على استيراد تقنيات موجودة، بل سيمتد إلى تطوير مشترك لتقنيات المستقبل.
وكالة الدفاع الصاروخي (MDA): تُدير "البرامج التعاونية الإسرائيلية" كبند مستقل في ميزانيتها، وتُعدّ الذراع التنفيذية لتطوير منظومات الدفاع الجوي المدمج بالذكاء الاصطناعي.
قيادة الفضاء الأمريكية: التعاون يمتد إلى الفضاء — الذكاء الاصطناعي في منظومات الاستطلاع الفضائي والإنذار المبكر.
مجموعة عمل العمليات-التكنولوجيا الأمريكية-الإسرائيلية: منصة التنسيق المباشر العملياتي بين الجيشين، وهي المسرب الذي تنتقل عبره الخبرات الميدانية الإسرائيلية في الذكاء الاصطناعي إلى منظومة الإطار العقائدي الأمريكي.
الفصل الخامس: آليات نقل التقنية — من المختبر إلى ميدان المعركة
ما يميز هذا القانون عن سابقاته أنه لا يكتفي بالتمني أو التوصية، بل يُنشئ آلية واضحة لنقل التقنية تمر بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الرصد والتقييم — الوكيل التنفيذي يحدد التقنيات الإسرائيلية ذات الجدوى العملياتية للمنظومات الأمريكية.
المرحلة الثانية: الانتقال والنمذجة — تسهيل الانتقال من البحث والتطوير إلى مرحلة "الإنتاج التجريبي" ثم "التكامل في المنظومات الفعلية".
المرحلة الثالثة: التكامل الصناعي — إنشاء شراكات إنتاج مشترك مع الصناعة الإسرائيلية داخل الأراضي الأمريكية، مما يعني دمج الشركات الدفاعية الإسرائيلية في سلسلة الإنتاج الأمريكية مباشرةً.
هذه الآلية الثلاثية هي ما يجعل المادة 224 تختلف جذرياً عن أي اتفاقية تعاون سابقة: إنها ليست "تبادل معلومات" بل "دمج منظومي" في قلب الاقتصاد الدفاعي الأمريكي.
الفصل السادس: الصورة الأكبر — نحو منظومة ذكاء اصطناعي عسكري مشترك
قراءة القانون في مجمله تكشف عن استراتيجية أمريكية واضحة: بناء منظومة ذكاء اصطناعي عسكري مشترك مع الاحتلال الإسرائيلي تمتد من البحث إلى الميدان.
هذا المشروع يقوم على أربعة أعمدة متكاملة:
عمود التطوير المشترك: الجامعات والشركات والحكومات في البلدين تعمل على نماذج ذكاء اصطناعي مشتركة.
عمود الاختبار الميداني الحقيقي: الاحتلال الإسرائيلي يوفر بيئة اختبار حقيقية لا يمكن لأي مختبر أمريكي أن يوفرها.
عمود التكامل الصناعي: الشركات الإسرائيلية تدخل مباشرةً في سلاسل إنتاج منظومات الأسلحة الأمريكية.
عمود الاشتراك العقائدي: التدريب المشترك وتبادل المعلومات يُوحّدان المفهوم العقائدي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب.
خلاصة: ما الذي يتغير فعلاً؟
هذا القانون يُرسّخ حقيقة جديدة: الذكاء الاصطناعي العسكري لم يعد ملفاً أمريكياً بحتاً — بل أصبح مشروعاً أمريكياً-إسرائيلياً مشتركاً بقوة القانون.
ما طوّره الاحتلال الإسرائيلي وجرّبه ميدانياً في الإبادة الجماعية في قطاع غزة وعدوانه على لبنان وإيران وسوريا واليمن — من أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة إلى منظومات الدفاع الصاروخي المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقنيات الاستهداف الآلي — يجد اليوم طريقه القانوني المباشر إلى قلب المنظومة العسكرية الأمريكية، لا عبر صفقات تسليح عادية، بل عبر دمج مؤسسي عميق يجعل الجيشين يشتركان في نفس البنية التقنية والعقائدية حتى عام 2030 وما بعده.
النتيجة العملية: ما يختبره جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم قد يصبح سلاحاً أمريكياً معتمداً غداً — والقانون يضع الآلية القانونية والمؤسسية لضمان حدوث ذلك بسرعة وبصورة ممنهجة.
