
الذكاء الاصطناعي في خدمة الاستيطان: كيف يراقب الاحتلال أراضي الفلسطينيين بالضفة الغربية؟
منذ عام 2023 أدخل الاحتلال الإسرائيلي تقنية الذكاء الاصطناعي إلى صميم منظومته لرصد أرض الفلسطينيين في الضفة الغربية وهدم ما يُبنى عليها ومصادرتها. يوثّق تقرير "سنة العجائب" الصادر عن منظمتي "السلام الآن" و"كرم نافوت" في يوليو 2026 أن "شعبة حماية الأرض" التابعة لسلطة أراضي الاحتلال "تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة لمراقبة البناء الفلسطيني"1، وأن حكومة الاحتلال أنشأت رسمياً وحدة إنفاذ جديدة داخل هذه الشعبة، تحمل اسم "لواء يهودا والسامرة"، مخصصة حصرياً لتشغيل هذه الأداة على أرض الضفة الغربية.
هذه الورقة تتناول هذا النظام تحديداً: من الشركة التي طوّرته؟ كيف يعمل تقنياً في كشف البناء والتغيّر على أرض الفلسطينيين؟ وما الذي أثبتته التجربة العملية لاستخدامه حين طُبِّق على نطاق واسع؟ الأداة التي تملكها الشعبة الأم وتُشغّلها في وحدة الضفة الجديدة هي نفسها التي اختُبرت ميدانياً على نطاق واسع في النقب — مسحاً لمليون دونم، ورصداً لآلاف نقاط الاشتباه، وتنفيذاً لآلاف عمليات الإخلاء والهدم — وهو ما يجعل من تلك التجربة دليلاً مباشراً وقوياً على القدرة الفعلية للأداة نفسها التي وُضعت الآن بيد وحدة مخصصة لأرض الضفة الغربية.
أولاً: الوحدة الجديدة — بنية مؤسسية مخصصة لأرض الضفة الغربية
أنشأ الاحتلال "شعبة حماية الأرض" التابعة لسلطة أراضي إسرائيل أصلاً لملاحقة الفلسطينيين في النقب داخل أراضي 48، حيث اقتلعت أرضهم وتجمعاتهم البدوية. تعمل الشعبة عبر أربعة أقاليم إدارية، وتضم "قسم الإنفاذ والعمليات والاستخبارات" المسؤول رسمياً، بحسب موقع حكومة الاحتلال نفسه، عن "كشف الحركة الفلسطينية على الأرض عبر تفسير الصور الجوية"2.
وبحسب السلام الآن، طلبت وزارة المالية الإسرائيلية تخصيص 21 وظيفة جديدة لإنشاء وحدة إنفاذ جديدة داخل هذه الشعبة، مخصصة حصرياً لأرض الضفة الغربية، عبر إنشاء ما يُسمى "لواء يهودا والسامرة" — وهي التسمية الإسرائيلية التي يطلقها الاحتلال على الضفة الغربية. وناقشت لجنة المالية بالكنيست هذا الطلب في 11 سبتمبر 2025، أي أن الوحدة أُنشئت رسمياً وأُقرّت ميزانياً3.
الـ21 وظيفة الجديدة تُوسّع القوة العاملة للشعبة بنحو 20%، وتُضاف إلى نحو مئة شخص منخرطين أصلاً في رصد أرض الفلسطينيين عبر الإدارة المدنية وبلديات المستوطنات3.
الوحدة الجديدة، بحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة (وثيقة صادرة في 25 سبتمبر 2025)، تأسست في أبريل 2025 "لتحديد ما تعتبره الإدارة الإسرائيلية بناءً فلسطينياً غير قانوني في الضفة الغربية المحتلة"4، أي أن هدفها المعلن والمباشر هو رصد أرض الفلسطينيين تحديداً في الضفة، لا في أي مكان آخر.
ثانياً: نظام "إيمي سايت" — الأداة التي تشغّلها الوحدة
النظام الذي تملكه شعبة حماية الأرض، والذي تشغّله وحدة الضفة الغربية الجديدة، يُعرف باسم "إيمي سايت" — منصة ذكاء اصطناعي طُوّرت داخل شركة رافائيل للصناعات الدفاعية المتقدمة، ثم انفصلت تجارياً. يصف الموقع الرسمي للشركة نفسه بأنه "التطبيق الرائد للذكاء الاصطناعي عبر الويب الذي طوّرته رافائيل للأنظمة المتقدمة، وأصبح الآن جزءاً من شركة موبايل غروب المحدودة"5. تأسست الشركة عام 2017، ومقرها تل أبيب، وتؤكد جميع المصادر أنها "مبنية على تقنيات متطورة من رافائيل"5,6.
آلية عمل النظام في رصد أرض الفلسطينيين
إيمي سايت منصة سحابية متعددة المستشعرات، تدمج تلقائياً مصادر بيانات متنوعة لكشف كل ما يطرأ على قطعة أرض فلسطينية محددة: صور الأقمار الصناعية، الصور الجوية، الطائرات المسيّرة (الدرونز)، بيانات الفيديو وكاميرات المراقبة، إضافة إلى بلاغات ميدانية وبيانات نظم المعلومات الجغرافية.
بحسب رافائيل نفسها، "يشغّل إيمي سايت خوارزميات ذكاء اصطناعي متطورة بالتعلّم العميق وفق جدول مُعدّ مسبقاً، ويراقب مساحات شاسعة تلقائياً"، مقدّماً إجابة عن ثلاثة أسئلة بشأن أي قطعة أرض: ما هو الحدث عليها، وأين وقع بالضبط، ومتى حدث؟7
تتلخص وظائف النظام في 3 قدرات8:
• كشف التغيير، وهو رصد أي تغيّر بين صورتين مأخوذتين لنفس منطقة الاهتمام في فترتين زمنيتين مختلفتين، وهي الوظيفة الجوهرية التي تتيح اكتشاف أي حرث أو بناء فلسطيني جديد فور حدوثه.
• كشف الأجسام، وتحديداً المباني والبيوت والطرق والمركبات، والتعرف على عناصر البنية التحتية وتغطية مساحات واسعة دفعة واحدة.
• دمج المستشعرات والتحليل الزمني، للتمييز بين الظواهر الطبيعية والتدخلات البشرية الفعلية على الأرض.
هذه القدرات الثلاث موثّقة في المواد الرسمية للشركة نفسها.
دورة العمل الكاملة من الكشف إلى الهدم
يصف أحد بروشورات الشركة الرسمية، تحت عنوان "إيمي سايت لحماية الأراضي"، دورة العمل الكاملة: يرفع النظام أو يبثّ صوراً من مستشعرات الأقمار والطائرات والدرونز وكاميرات المراقبة فور اختيار منطقة الاهتمام؛ ثم "يشغّل تلقائياً خوارزميات كشف الأجسام و(الشذوذ) ويتتبّع التغيرات، بحيث يُبرَز فوراً أي تغيّر في المباني أو المركبات أو الغطاء النباتي"؛ ويولّد تقارير جغرافية فور استلام صور جديدة؛ وهو، بحسب وصف الشركة نفسها، "حلّ متكامل لحماية الأرض يُغلق الحلقة بين الكشف والتنفيذ العقابي"9 هذه الصياغة الحرفية تطابق تماماً وظيفة رصد أرض الفلسطينيين في الضفة الغربية تمهيداً لهدم ما بُني عليها، فالنظام مصمَّم أصلاً ليُحيل مباشرة من الكشف إلى قرار الهدم أو المصادرة، لا للمراقبة وحدها.
ثالثاً: ما أثبتته التجربة الفعلية — النموذج الذي طُبِّق ونُقل الآن إلى الضفة
الدليل الأقوى على ما تفعله هذه الأداة بالضبط حين تُطلَق بحق أرض الفلسطينيين هو تجربتها العملية الموثّقة، والتي هي الأساس الذي بُنيت عليه وحدة الضفة الغربية الجديدة.
استخدم الاحتلال في عملية تحمل اسم "الصقر الجنوبي"، الموجهة ضد التجمعات البدوية الفلسطينية في النقب، نظام ذكاء اصطناعي جديداً طوّرته شركة السلاح الإسرائيلية رافائيل، لمسح مليون دونم من الأراضي لكشف المباني البدوية الجديدة10. وأكدت تقارير إسرائيلية استخدام تقنية ذكاء اصطناعي متقدمة، تشمل المسح الجوي، في نسخة لاحقة من العملية نفسها ("الصقر الجنوبي 3")، أدت لإصدار مئات إخطارات الهدم دفعة واحدة11.
وبحسب بيانات نشاط "شعبة حماية الأرض" لعام 2024 وحده: مُسحت عبر النظام مساحات تقارب 10,735 كيلومتراً مربعاً، ورُصدت خلالها نحو 1,263 قطعة أرض مشتبهًا ببناء أو حركة فلسطينية عليها، وفُتح بناءً على ذلك نحو 495 إجراء عقابي ضد الفلسطينيين؛ ونُفّذ من أصل 3,178 حالة رصدتها الخوارزمية نحو 2,693 عملية إخلاء قسري، منها 1,984 عملية وصفها الاحتلال بـ"الإخلاء الذاتي" — أي أن الفلسطيني اضطر لهدم مبناه أو تفكيك مزرعته بيده تحت التهديد المباشر بدل انتظار جرافات الهدم12.
هذه هي الأداة نفسها، بيد الشعبة نفسها، التي وُضعت الآن رسمياً بيد وحدة مخصصة حصراً لأرض الضفة الغربية. المعطيات التي أثبتتها التجربة في النقب — مسح شامل ومتكرر لمساحات هائلة، رصد آلاف نقاط الاشتباه، وتنفيذ الهدم أو الإخلاء في أكثر من 80% من الحالات المرصودة — هي بالضبط ما يُنتظر أن يتكرر على أرض الفلسطينيين في الضفة الغربية، بل بوتيرة أعلى، لأن الضفة تشهد أصلاً بيئة سياسية وميدانية أكثر عدوانية تجاه البناء الفلسطيني: بلغ متوسط الهدم السنوي في المنطقة المصنّفة "ج" وحدها زيادة نحو 80%، من 537 هيكلاً سنوياً في الفترة 2010-2022 إلى 966 هيكلاً سنوياً في الفترة 2023-132025، وهي بالضبط الفترة التي أُدخلت فيها أدوات الذكاء الاصطناعي على منظومة رصد أرض الفلسطينيين وأُنشئت فيها وحدة الضفة الجديدة.
وبحسب بيانات إحصائية رسمية14، هدم الاحتلال بين يناير وسبتمبر 2025 وحدها 1,288 منزلاً ومنشأة فلسطينية بذريعة "عدم الترخيص"، أي بمعدل 4.7 هيكل يومياً، مقابل 929 هيكلاً في الفترة نفسها من 2024، زيادة قدرها 39% في عام واحد فقط، وهي الزيادة الحادة التي تتزامن زمنياً مع دخول أداة الرصد الآلية إلى الخدمة في الضفة.
كذلك تشير تقارير إسرائيلية إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي على خط المراقبة مكّن الاحتلال من رصد أي بناء فلسطيني عمره أقل من ثلاث سنوات15، وهذه الفئة بالذات يجوز لسلطات الاحتلال هدمها إدارياً بأمر مباشر، دون حاجة لأي إجراء قضائي أو حتى إشعار مسبق طويل، الأتمتة هنا لا تخدم الكشف فقط، بل تخدم تسريع الهدم وتفريغه من أي رقابة قانونية على أرض الضفة الغربية.
رابعاً: منظومة موازية لرصد أرض الفلسطينيين في الضفة الغربية
إلى جانب نظام سلطة الأراضي المركزي، يموّل الاحتلال منظومة موازية من أدوات رصد الأرض على مستوى المستوطنات في الضفة نفسها:
• الدوريات الأرضية الاستيطانية: تموّل وزارة الاستيطان والمهام الوطنية الإسرائيلية "وحدات دورية أرضية" في المجالس الاستيطانية بالضفة بنحو 33 مليون شيكل سنوياً، تضم نحو 25 دورية يراقبون الفلسطينيين واستخدامهم لأراضيهم ميدانياً، وتتدفق المعلومات التي يجمعونها لتغذية قرارات الهدم والمصادرة16.
• تجهيزات الرصد للبؤر الاستيطانية: موّل الاحتلال المستوطنين بنحو 40 مليون شيكل عام 2023 لتزويد المجالس الاستيطانية بالدرونز والمفتشين لمراقبة الفلسطينيين وأرضهم في المنطقة المصنّفة "ج" من الضفة، وزوّد الاحتلال بؤراً استيطانية عشوائية (نحو 68 بؤرة رعوية و33 بؤرة أخرى في عام 2023 وحده) بمعدات تشمل الدرونز والكاميرات الثابتة، بما يتيح للمستوطنين أنفسهم المشاركة في رصد أي حركة فلسطينية على الأرض المحيطة وإبلاغ السلطات فوراً17.
• الأقمار الصناعية التجارية الإسرائيلية: طوّرت شركات إسرائيلية قدرات ذكاء اصطناعي مدمجة لتحليل الصور الفضائية آنياً وكشف "التغيرات في البنية التحتية" و"التحركات غير المصرّح بها" فوق أرض الضفة، من بينها قمر يحمل ثماني وحدات معالجة رسومية على متنه لمعالجة الصور مباشرة في المدار قبل إرسالها، وكاميرا فضائية أخرى أُطلقت في أغسطس 2025 بقدرات مشابهة18، ما يبيّن جاهزية توسيع الاستخدام في أي لحظة تقتضيها الحاجة السياسية.
هذه الأدوات مجتمعة — النظام المركزي لسلطة الأراضي ووحدته الجديدة المخصصة للضفة، والدوريات الأرضية، وتجهيزات البؤر، والأقمار التجارية — ترسم صورة منظومة متكاملة ومتعددة الطبقات لرصد أرض الفلسطينيين في الضفة الغربية تحديداً، تجمع بين المراقبة الآلية بالذكاء الاصطناعي من الفضاء والمراقبة اليدوية على الأرض من قبل المستوطنين أنفسهم.
النظام الذي تملكه شعبة حماية الأرض التابعة لسلطة أراضي الاحتلال، والقائم على الذكاء الاصطناعي من تطوير شركة رافائيل، هو ذاته النظام الذي وُضع الآن رسمياً بيد وحدة إنفاذ جديدة أُنشئت وأُقرّت ميزانياً حصراً لأرض الضفة الغربية. وما أثبتته تجربة هذا النظام حين طُبِّق فعلياً على نطاق واسع في النقب — مسح مليون دونم، رصد آلاف نقاط الاشتباه، وتنفيذ آلاف عمليات الإخلاء والهدم بمعدل تنفيذ يتجاوز 80% من الحالات المرصودة — هو أوضح دليل ممكن على القدرة الفعلية لهذه الأداة نفسها، المنقولة الآن إلى ساحة أكثر إلحاحاً سياسياً واستيطانياً.
التقنية والسياسة الميدانية تسيران معاً: نظام آلي مصمَّم أصلاً ليُغلق الحلقة بين كشف حركة الفلسطينيين على أرضهم وبين قرار هدمها أو مصادرتها، تعمل عليه الآن وحدة كاملة مخصصة لأرض الضفة الغربية وحدها، ضمن منظومة أوسع من الدوريات الأرضية والدرونز والأقمار الصناعية التي تحيط أرض الفلسطينيين من كل اتجاه.
المراجع
1. تقرير "سنة العجائب" (Annus Mirabilis)، الصادر عن منظمتي السلام الآن وكرم نافوت، يوليو 2026: https://peacenow.org.il/en/annus-mirabilis
2. موقع حكومة الاحتلال الرسمي — صفحة شعبة حماية الأرض. https://www.gov.il/he/departments/units/ground_guarding_division
3. السلام الآن — الوحدة الجديدة في الضفة الغربية . https://peacenow.org.il/en/new-enforcement-unit-in-the-wb 2
4. الأمم المتحدة / يونيسبال — تقرير الأمين العام. https://www.un.org/unispal/document/report-of-the-secretary-general-25sep25/
5. إيمي سايت — صفحة "About". https://www.imisight.com/about 2
6. صفحة إيمي سايت. https://www.startuphub.ai/startups/imisight/
7. رافائيل / إيمي سايت — مادة تسويقية. https://rafaelmarketingltd.ruplayers.com/rIukzaibpH12rqs/rafael-imisight-imagery-insights.html
8. إيمي سايت — صفحة "Land". https://www.imisight.com/land?trk=products_details_guest_secondary_call_to_action
9. إيمي سايت — بروشور PDF. https://www.imisight.com/_files/ugd/e4d690_63e8212da3bf4cca84b99dfb7eced5dc.pdf
10. الجزيرة الإنجليزية https://www.aljazeera.com/news/2023/5/14/israeli-demolition-of-palestinian-bedouin-homes-spike-in-naqab
11. جيروزاليم بوست https://www.jpost.com/israel-news/article-872571
12. واي نت (Ynet). https://www.ynet.co.il/economy/article/rk4gblmd1g
13. تقرير سنة العجائب، المصدر نفسه
14. أوتشا https://www.un.org/unispal/document/ocha-sitrep320-04sep25/
15. هآرتس https://www.haaretz.co.il/news/education/2023-03-12/ty-article/00000186-d0bd-dc44-abe6-d5bfdc230000
16. كالكاليست https://www.calcalist.co.il/real_estate/articles/0,7340,L-3644911,00.html
17. والا https://nadlan.walla.co.il/item/3560335
18. إسرائيل هيوم https://www.israelhayom.co.il/news/local/article/19628003
