البنية الرقمية للاحتلال
سيليبرايت: من اختراق هواتف معتقلي غزّة إلى ملاحقة معارضين روسيين
2026-06-26

سيليبرايت: من اختراق هواتف معتقلي غزّة إلى ملاحقة معارضين روسيين

طلب المعارض الروسي أندريه بيفوفاروف من باحثي سيتيزن لاب فحص هاتفه، لم يبحث عن برنامج تجسّسٍ يتسلّل عن بُعد، بل عن أثر جهاز استخراجٍ جنائيٍّ نسخ بيانات هاتفه وهو رهن الاعتقال، وخلص الباحثون بثقةٍ عالية إلى أنّ الأجهزة الروسية مرّرت هاتف "آيفون" الخاص به عبر جهاز «يوفيد» الذي تصنعه شركة سيليبرايت ومقرّها الأراضي المحتلة، في منتصف 2021، بعد ثلاثة أشهرٍ من إعلان الشركة وقف بيعها لروسيا "فوراً".

الجهاز الذي اخترق هاتف بيفوفاروف لم يعد صندوقاً يكسر القفل وينسخ الرسائل، بعد عشر سنواتٍ من إدخال الذكاء الاصطناعي إليه، صار يفرز الأسماء والصور والمحادثات، ويرسم شبكة المعارف، ويقدّم للمحقّق خلاصةً جاهزة، والمختبر الذي كشف قضية بيفوفاروف وثّق خلال عامٍ واحد استخدام الأداة نفسها ضدّ ناشطين في الأردن وصحفيين في صربيا ومحتجّين في كينيا، لكنّ هذه المنظومة جُرِّبت على الفلسطينيين قبل أن تصل إلى أيّ سوقٍ آخر.

آلة تتعلّم

تقول سيليبرايت إنّها بدأت إدخال تعلُّم الآلة في أدواتها عام 2015، فدرّبت برنامج "فيزيكال أنالايزر" على فرز الصور، ثم وسّعت ذلك إلى تحليل النصوص بحثاً عن مؤشّرات تقود التحقيق. وفي 2018 أطلقت "باثفايندر" الذي يحلّل كميّات البيانات ويستخرج أنماطاً وعلاقاتٍ بين الأشخاص والأماكن والوقائع في دقائق بدل أيام.

في شباط/فبراير 2025 أتاحت الشركة ذكاءً اصطناعياً توليدياً في منصّة "غارديان" يلخّص التسجيلات الصوتية وسلاسل الرسائل، ويستخرج خرائط العلاقات، ويقرأ سجلّ التصفّح. وبحلول خريف العام نفسه أعلنت "ذكاءً اصطناعياً وكيلياً" يصل بيانات الهواتف بسجلّات الاتصالات والمصادر المفتوحة وملفّات القضايا، ويدير العمل بينها.

بهذا ينتقل القرار التحقيقي من المحقّق إلى الخوارزمية، النظام يرشّح الأسماء، ويصنّف المواضيع عبر اللغات واللهجات والكلمات المبهمة، ويصل القضايا ببعضها، ومن يُحاكَم على مخرجاته يواجه استنتاجاً آلياً.

الفلسطيني أوّلاً

تأسّست سيليبرايت في "إسرائيل" عام 1999، وبنت كوادرها التقنية، بحسب تحقيقاتٍ صحفية، من خرّيجي "وحدة 8200". ووثّقت لجنة الأصدقاء الأمريكية للخدمة أنّ جيش الاحتلال استعمل أدوات الشركة في غزّة والضفّة، وانتزع بيانات هواتف آلاف المعتقلين خلال الإبادة الجماعية في غزّة. واعترفت المؤسّسة العسكرية لاحقاً بأنّ معظمهم مدنيّون بعد أن قدّمتهم على أنّهم مقاتلون.

الأداة التي تُستخدَم لاحقاً ضدّ معارضٍ في موسكو أو ناشطةٍ في عمّان تُجرَّب أوّلاً على معتقلٍ فلسطينيٍّ بلا محامٍ ولا محاكمة. ولهذا وصفت منظّماتٌ حقوقية بريطانية هذه المنتجات بأنّها تُطوَّر وتُختبَر عبر منظومة الاحتلال والفصل العنصري ثم تُصدَّر للعالم.

ويضاف إلى ذلك أثر الذكاء الاصطناعي، منظومةٌ تترجم اللهجات وتفكّ الكلمات المشفّرة وتلخّص محادثاتٍ بالعربية تستطيع تحويل دردشةٍ عائلية أو منشورِ تضامن إلى دليل إدانة، وما دام الاحتلال يعتقل آلاف الفلسطينيين سنوياً، فإنّ تسريع الاستخراج يعني مزيداً من الأحكام المبنيّة على محتوى الهواتف.

مَن يقف خلف الجهاز

سيليبرايت مُدرَجة في بورصة ناسداك تحت الرمز CLBT، وأكبر مالكيها "صن كوربوريشن" اليابانية التي تملك نحو 45% من أسهمها، وتزوّد الشركة شرطة الاحتلال وأجهزته منذ 2016 على الأقلّ، وجدّدت الشرطة عقودها دون مناقصة باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على ذلك، بنحو 11 مليون دولار بين 2016 و2025.

وكشفت تقاريرُ إسرائيلية ودولية أنّ الشركة نالت تمويلاً من وحدة ابتكارٍ تابعة لوزارة الحرب الأمريكية لتطوير منتجٍ يحدّد أنفاق غزّة ويرسم خرائطها ويتعقّب من فيها. ونقلت صحفٌ إسرائيلية أنّها ساعدت أجهزة الاحتلال في فتح هواتفَ بعد السابع من أكتوبر. وفي الولايات المتحدة، تربطها بسلطات الهجرة أكثر من 213 عقداً مع جهاز الهجرة والجمارك تتجاوز 48 مليون دولار بين 2008 و2025، تُستخدَم لتفتيش هواتف طالبي اللجوء بلا مذكّرات، إضافةً إلى عقودٍ مع حماية الحدود. ولجأ مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أدواتها في قضايا بارزة.

في المقابل توثّق الانتهاكاتِ جهاتٌ منها سيتيزن لاب، ومنظّمة أكسس ناو، والمحامي الإسرائيلي إيتاي ماك الذي كشف مع «هآرتس» عام 2020 أنّ لجنة التحقيق الروسية شغّلت الأداة أكثر من 26 ألف مرّة.

ما تبنيه الشركة الآن

تنقل سيليبرايت منصّتها إلى السحابة والذكاء الاصطناعي، وأطلقت في ربيع 2025 "سحابة سيليبرايت" فوق خدمات أمازون، تتيح لعدّة محقّقين تقاسُم الأدلّة لحظياً، مع نسخٍ وترجمةٍ للصوت في "باثفايندر"، وفي الخريف وسّعت "غارديان" لتعمل بذكاءٍ وكيلي، وأتاحت نشر "باثفايندر" في سحابةٍ حكومية مخصّصة للأجهزة الأمنية.

حين يصير الاتهام آلياً

يمنح الذكاء الاصطناعي الاتهام مظهر الموضوعية، فالمخرج الذي يربط الأشخاص ويلخّص كلامهم ويصنّف صورهم يبدو محايداً، لكنّه حصيلة خوارزمياتٍ تخطئ وتتحيّز وتُدرَّب على فرضياتٍ قد تُجرّم التضامن أو المعارضة، ومع غياب الشفافية حول كيفية اتّخاذ النموذج قراره، يصعب على المتّهم مجادلة دليلٍ كهذا

.

كما أنّ وعد الشركة بتعطيل أجهزتها عن بُعد عند إساءة الاستخدام يخالف الواقع. فبعد وقف البيع لروسيا عام 2021 ظلّت الأداة تعمل هناك، وحصلت الأجهزة الروسية بحسب الدائرة الأولى على تحديثاتٍ برمجية بعد سنوات. وفي 2023 وثّق ميديازونا أنّ الأمن الفيدرالي الروسي استخرج بيانات هاتف الناشط دميتري إيفانوف الذي سُجن ثماني سنواتٍ ونصف.

وسجلّ الشركة يمتدّ من ميانمار حيث أُدين صحفيّان كشفا مجزرةً بحقّ الروهينغا، إلى الفلبين وبنغلاديش وبوتسوانا وهونغ كونغ وصربيا والأردن. وفي كلّ موقعٍ يتكرّر النمط نفسه: أداةٌ صُقِلت في سياق الاحتلال تُستخدَم لقمع المعارضين والصحفيين.

الكلمات المفتاحية

مرحبًا، أنا يبوس 👋·كيف يمكنني مساعدتك؟