
"خادم في السماء": كيف تحولت المسيّرات الإسرائيلية إلى "مولد للأهداف والمعلومات الاستخباراتية" فوق غزة؟
فوق غزة ولبنان، ومؤخراً فوق إيران، لم يعد سرب الطائرات المسيّرة التابع لجيش الاحتلال مجرد عيونٍ تحلّق وتراقب؛ بل صار، بحسب وثائق داخلية حصلت عليها صحيفة "هآرتس"، مولّداً فائق الفعالية للأهداف والمعلومات الاستخباراتية.
تكشف هذه الوثائق عن جيلٍ من القدرات غير المعلنة سابقاً، يدمج برمجيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الجماعية في صلب المعدات العسكرية الطائرة، ويعيد تعريف معنى أن تكون إنساناً يتحرّك على الأرض تحت سماءٍ تُحلّلك وتُصنّفك آلياً على مدار الساعة. هذا "التحول الخوارزمي"، كما يصفه أحد المصادر، بدأ قبل أكتوبر 2023، لكن الإبادة الجماعية في غزة هي التي حوّلته من نموذجٍ تجريبي إلى منظومةٍ تشغيلية واسعة النطاق، نُشرت بسرعة وربما على عجل، حتى صار الذكاء الاصطناعي بحلول الحرب على إيران مدمجاً في كل أنظمة القيادة العسكرية ضمن ما يسميه جيش الاحتلال "مصنع البيانات العملياتية والذكاء الاصطناعي".
تكمن خطورة هذه الوثائق في أنها تنقل المراقبة من حيّز الاستثناء إلى حيّز الدوام، فنظام "المراقبة المستمرة للمناطق الواسعة" (وابس)، المثبّت على طائرتَي "هيرميس 450" و"هيرميس 900"، يحمل مصفوفةً من عشر كاميرات كهروبصرية تلتقط بصرياً، وبشكلٍ حيّ ومن طائرةٍ واحدة، مساحة 80 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب ربع قطاع غزة دفعةً واحدة. لا تكتفي المنظومة بالرصد اللحظي، بل تبني أرشيفاً بصرياً ضخماً تسمّيه الوثائق "التحقيق الجنائي الاستخباراتي": قدرةٌ على إعادة تشغيل المشهد بأثر رجعي، وتتبّع أي جسمٍ إلى نقطة منشئه، وإعادة بناء سلسلة الأحداث بعد وقوعها.
"خادمٌ في السماء" والجهات التي تُحرّك الآلة
في قلب هذه المنظومة يقف نظامٌ لم يُكشف عنه سابقاً اسمه "خادم في السماء" (سيرفر إن ذا سكاي)، وهو برمجية تحليلٍ تعمل على حاسوبٍ مثبّتٍ على متن المسيّرة نفسها لا على الأرض. تحلّل الخوارزمية بشكلٍ مستقل ما تجمعه المستشعرات والكاميرات، وتكتشف الأهداف تلقائياً وتصنّفها، وتقرّر إن كانت ستتعقّبها أم تمرّرها إلى مركز القيادة أو الطيّارين أو القوات البرية، بل وتدير السرب ذاتياً فتنقل التغطية من طائرةٍ إلى أخرى متى حجبت الغيوم الرؤية أو اضطرت إحداها للانسحاب من صاروخٍ أرض-جو.
وتصف الوثائق هذا النظام بأنه يقدّم "توصيات وقراراتٍ قائمة على الذكاء الاصطناعي" ضمن منظومةٍ أوسع لـ"دعم القرار". الجهات التي تُشغّل هذه الآلة وتُربح منها متشابكة: في مقدمتها جيش الاحتلال بسلاحه الجوي وأقسام استخباراته العسكرية ووحدته 8200 ومشروعه "مصنع البيانات العملياتية"؛ ومن خلفه المصنّع الأساسي شركة "إلبيت سيستمز"، كبرى شركات السلاح في كيان الاحتلال، التي تنتج طائرتَي "هيرميس" وأنظمة المراقبة مثل "وابس" و"سبيكترو"، والتي توفّر بحسب حركات المقاطعة نحو 85% من المسيّرات التي يستخدمها جيش الاحتلال، ويشاركها هذا السوق "الصناعات الجوية الإسرائيلية" و"رافائيل" لأنظمة الدفاع المتقدمة، بحيث تتكامل المستشعرات والرادارات والحرب الإلكترونية في سلسلةٍ واحدة من "الجمع - التحديد - توليد الأهداف - الهجوم".
من المختبر إلى خط الإنتاج: المشاريع التي تُعمّم النموذج
ما يجري فوق غزة ليس حادثةً معزولة بل قاعدةٌ لمشاريع تتمد،. أولها مشروع "خادم في السماء" ذاته، الذي ينقل مركز التحليل واتخاذ القرار من الأرض إلى متن الطائرة ليقترب من الاستقلالية شبه الكاملة، وثانيها "مصنع البيانات العملياتية والذكاء الاصطناعي"، المشروع الشامل الذي يربط المستشعرات الجوية والبرية والبحرية والسيبرانية بشبكةٍ موحدة تُقدّم توصياتٍ فورية وصولاً إلى مستوى الكتيبة والجندي الفرد، والذي أكّد الاحتلال في آذار/مارس أنه انتقل من فرقٍ بعينها في غزة إلى الجيش بكامله. أما المشروع الأخطر على المدى البعيد فهو تعميم النموذج عبر الإنتاج المشترك والتصدير: ففي مدينة حيدر أباد الهندية يقوم مشروعٌ مشترك بين شركة "أداني" و"إلبيت" بتصنيع "هيرميس 900"، وهو المصنع الوحيد لإنتاج هذه الطائرة خارج كيان الاحتلال، وقد سلّم أكثر من 20 طائرة "هيرميس 900" إلى الاحتلال نفسه تحت إشرافٍ مباشر من "إلبيت" التي تملك حصة 49% في المشروع. وبموازاة ذلك يجري تكييف المسيّرات العسكرية للاستخدامات "المدنية"، كما في مشروع وكالة حرس الحدود الأوروبية "فرونتكس".
القتل بلا وجهٍ بشري: المخاطر التي تتجاوز ساحة الحرب
ينطوي هذا التحول على مخاطر بنيوية تتجاوز اللحظة، أولها تجريد القتل من إنسانيته حين يتحوّل قرار الحياة والموت إلى أسطرٍ برمجية وتصنيفٍ إحصائي، فيصير الفلسطيني على الطرف الآخر "نقطة بيانات" أو "سرداً رقمياً" لا بشراً. وثانيها انهيار المحاسبة القانونية: حين تُخطئ الخوارزمية ويُقصف مدنيون، تتوزّع المسؤولية وتتبخّر بين المبرمج والشركة المصنّعة والقائد العسكري والآلة، فيصعب تحديد الجاني ومحاكمته. وثالثها مخاطر "الفلاتر التلقائية" و"حرّاس البوابة"، أي الأنظمة التي تقرّر آلياً أي معلومةٍ تُمرَّر وأي إجراءٍ يُفعَّل، والتي قد تُفسّر حركة مدنيٍّ يحمل أداةً يدوية على أنها حملٌ للسلاح. أما الخطر الأبعد أثراً فهو "عولمة تكنولوجيا القمع": فاختبار هذه الأنظمة ميدانياً على الفلسطينيين يمنح الشركات بطاقة تسويقٍ تصفها بأنها "مُجرّبة في الميدان"، ما يفتح باب تصديرها إلى جيوشٍ وأجهزة حدودٍ حول العالم لتُمارس بها المراقبة الجماعية وضبط المهاجرين.
الشركاء والاحتلال: من يُموّل المصنع ويستورد منتجاته
علاقة الشركاء الدوليين بالاحتلال ليست عابرة بل بنيوية وممتدة، وتتخذ ثلاثة أشكال: الأول هو التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، وأبرز نماذجه شراكة "أداني-إلبيت" في الهند التي تضمن لدولة الاحتلال خطوط إنتاجٍ خارجية وتدفقاً مالياً، فيما تَعِد الهند بتعزيز "اكتفائها الذاتي" عسكرياً.
والثاني هو الشراكات الأمنية، فقد منحت وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية "فرونتكس" الأوروبية عام 2021 عقوداً بقيمة 100 مليون يورو لشركات منها "إلبيت" و"الصناعات الجوية الإسرائيلية" (IAI) ورافائيل لتشغيل مسيّرات تراقب المهاجرين عبر المتوسط، حصّة "إلبيت" منها عقدٌ بخمسين مليون يورو لتشغيل "هيرميس 900"، وهي الطائرة نفسها التي استُخدمت في الهجمات على غزة، ما يتيح تسويقها للمراقبة الحدودية بوصفها "مُجرّبة في القتال"؛ وقد رافق ذلك ارتفاعٌ حاد في عمليات إعادة المهاجرين قسراً إلى ليبيا.
أما الثالث، فتمتد هذه المنظومة إلى السوق الدولية، إذ صدّر الاحتلال هذه الأنظمة إلى أكثر من عشرين دولة وجهة حول العالم، من بينها الهند وأذربيجان والبرازيل وسويسرا والفلبين وصربيا وسنغافورة.
