
"جروك" أداة ماسك شاركت في الضربات الأمريكية على إيران بمنظومةٍ جربت في غزّة
في مذكّرة قانونية، اعترفت الحكومة الأمريكية بأنّ أداة الذكاء الاصطناعي "جروك" التابعة لإيلون ماسك استُخدمت في الضربات على إيران، المفارقة أنّ الاعتراف لم يأتِ في سياق عسكري، بل دفاعاً عن توربينات الغاز التي تُشغّل مركز بيانات ضخماً لشركة "إكس إيه آي"، وهي توربينات تستهدفها دعوى بيئية. وقد جادلت وزارة العدل الأمريكية بأنّ الدعوى "تهدّد الأمن القومي والاقتصادي والطاقي" لأنّها تسعى لقطع الكهرباء عن ابتكار يخدم عمليات "وزارة الحرب" الأمريكية. ولدعم الحجّة، قدّم الادّعاء شهادة مسؤول الذكاء الاصطناعي في البنتاغون كاميرون ستانلي، الذي أقرّ تحت القَسَم بأنّ "جروك" مُستخدَم فعلاً داخل مشروع "مافن"، برنامج الاستهداف العسكري المعتمِد على الذكاء الاصطناعي، وأنّ نظام "مافن سمارت سيستمز" مكّن القوات الأمريكية من إطلاق أكثر من ألفي ذخيرة على ألفي هدف خلال 96 ساعة في الحرب على إيران.
ليست هذه أوّل مرّة يقود فيها برنامج "مافن" القتل، فالمشروع، الذي يديره عملاقُ تحليل البيانات "بالانتير" الإسرائيلية، كان يعتمد في الأصل على نموذج "كلود" من شركة "أنثروبيك"، قبل أن تنسحب الأخيرة في عام 2026، وقد جاء الانسحاب بعدما رفضت "أنثروبيك" السماح باستخدام أدواتها في ضربات مؤتمتة بالكامل أو في المراقبة الجماعية للأمريكيين، فردّت وزارة الحرب الأمريكية بتصنيف الشركة "خطراً على سلسلة التوريد" وأمرت بإنهاء استخدام منتجاتها عسكرياً خلال ستّة أشهر، ثمّ التفتت إلى منافسيها: "غوغل" و"أوبن إيه آي" و"إكس إيه آي". وفي مايو 2025، رفع البنتاغون سقف عقد "مافن سمارت سيستم" إلى 1.3 مليار دولار حتى عام 2029، في مؤشّر على أنّ "أنسنة" القرار العسكري تتراجع لصالح أتمتته.
ما يجعل هذا الملف مفصلياً للفلسطينيين أنّ بنية "الاستهداف المعتمِد على الذكاء الاصطناعي" نفسها هي التي جُرّبت عليهم أوّلاً، فالشركة المُشغّلة لـ"مافن"، "بالانتير"، وقّعت في كانون الثاني 2024 — بعد ثلاثة أشهر من بدء الإبادة الجماعية في غزّة — "شراكة استراتيجية" مع وزارة الحرب الإسرائيلية "لتسخير تقنياتها المتقدّمة دعماً للمهام الحربية". وقد ربطت تقارير حقوقية تقنيات "بالانتير" بمنظومات الاستهداف الإسرائيلية المعروفة بـ"لافندر" و"جوسبل" و"وير'ز دادي"، وهي أنظمة تُسند للفلسطيني "درجة تهديد" من ١ إلى 100 استناداً إلى بياناته الهاتفية ونشاطه على مواقع التواصل وأنماط حركته. وفي تقريرها "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة"، خلصت المقرّرة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي إلى أنّ ثمّة "أسباباً معقولة" للاعتقاد بأنّ منصّة "بالانتير" استُخدمت في "استخدام القوّة غير المشروع" الذي تسبّب بخسائر مدنية غير متناسبة في غزّة، فيما صنّف التقرير "غوغل" و"أمازون" و"مايكروسوفت" ضمن شبكة شركات تُسهم في الإبادة.
الجهات المشارِكة في هذه المنظومة متشابكة بعمق مع آلة الاحتلال، فعبر مشروع "نيمبوس"، قدّمت "غوغل" و"أمازون" للاحتلال بنية حوسبة سحابية وذكاء اصطناعي بقيمة 1,2 مليار دولار، ضمن شروط تمنع الشركتين من تقييد استخدام الاحتلال لمنتجاتهما حتى لو خالف شروط الخدمة، وتُلزمهما بإخطار الاحتلال سرّاً إذا طلبت محكمة أجنبية الوصول إلى بياناته. وكشفت تحقيقات أنّ سحابة "أمازون" استُخدمت لتخزين معلومات مراقبة عن سكّان غزّة، وساعدت في حالات نادرة على تأكيد ضربات اغتيال جوّية.
أمّا "ستارلينك" التابعة لـ"سبيس إكس" — التي ابتلعت "إكس إيه آي" مطلع 2026 ضمن أكبر طرح عامّ في التاريخ — فقد فُعِّلت لصالح جيش الاحتلال منذ تشرين الأول 2023 موفِّرةً ربطاً ميدانياً للطائرات المسيّرة وأنظمة القيادة، بينما حُرم سكّان غزّة منها. وتشير المتابعات إلى أنّ "بالانتير" جنّدت قدامى من وحدة الاستخبارات الإلكترونية الإسرائيلية "الوحدة 8200"، ما يجعل خطّ النَّسَب بين تكنولوجيا الاحتلال والآلة الحربية الأمريكية مباشراً لا مجازياً.
تتقاطع المخاطر هنا في نقطة واحدة: "سلسلة القتل الرقمية". فحين تُسلَّم قرارات الاستهداف لخوارزميات تتعلّم من بيانات مُتحيّزة، تصير الانحيازات أحكام إعدام. وقد حذّرت لجان خبراء أمميّة من أنّ الاستهداف المؤتمت من دون رقابة بشرية كافية يخلق مخاطر أخلاقية وقانونية وأمنية، لأنّ أنظمة التعلّم الآلي تمتصّ تحيّزات بياناتها وتحملها إلى ساحة المعركة بعواقب قاتلة. والأخطر أنّ المشروع الأمريكي يُعيد إنتاج المنطق ذاته الذي اختُبر في غزّة: تحويل الإنسان إلى نقطة بيانات قابلة للتصنيف والاستهداف. وما حدث في الحرب على إيران — آلاف الضربات التي قادتها هذه الأنظمة — ليس سوى توسيع لميدان التجريب الذي كان الفلسطيني أوّل ضحاياه.
ولا ينفصل البُعد البيئي عن هذا المشهد. فالدعوى التي حاولت وزارة العدل ردّها رفعتها منظمة "NAACP" الحقوقية، متّهمةً "إكس إيه آي" بتشغيل عشرات التوربينات من دون تصاريح خلافاً لقانون الهواء النظيف، وبتلويث أحياء ذات غالبية سوداء. هكذا تتقاطع ثلاثة وجوه لمنطق واحد: عسكرةُ الذكاء الاصطناعي، والعنصريةُ البيئية، وتحويلُ الأجساد — في ممفيس كما في غزّة وطهران — إلى كلفة جانبية مقبولة في معادلة "الأمن القومي".
المصادر: لوموند + تايمز أوف إسرائيل + وكالة الأنباء الفرنسية + تكنولوجي دوت أورغ + ذي إنترسبت + +972 ماغازين + بزنس آند هيومن رايتس سنتر + بي دي إس موفمنت + باس بلو + الشبكة + بروغريسيف إنترناشونال + ذا ديلي ستار + فيوتشروم غروب + هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية
