
بيغاسوس يستهدف مستخدمي واتساب في الأردن ولبنان
لم يكن قرار المحكمة الأمريكية النهائي بحق مجموعة NSO كافياً لوقفها. كشفت ميتا أن الشركة، المطوِّرة لبرنامج التجسس "بيغاسوس"، واصلت استهداف مستخدمي واتساب عبر روابط تصيّد خبيثة، في انتهاك صريح لأمر قضائي دائم يحظر عليها ذلك. المستهدفون هذه المرة كانوا في الأردن ولبنان، وهما بلدان يحملان ثقلاً فلسطينياً لا يمكن تجاهله — سواء في حجم اللاجئين المقيمين فيهما، أو في دورهما كمساحات للعمل السياسي والحقوقي الفلسطيني.
بيغاسوس ليس برنامجاً للمراقبة البسيطة؛ إنه سلاح رقمي استغل ثغرات في تطبيق واتساب لاختراق الأجهزة واستخراج كل ما فيها دون أن يشعر المستخدم بشيء: المراسلات، الصور، المكالمات، والبيانات الشخصية. خسرت NSO قضيتها أمام ميتا، وصدر بحقها حكم ابتدائي بدفع 167 مليون دولار خُفِّف لاحقاً إلى 4 ملايين، غير أن الحكم اقترن بأمر حظر دائم يمنعها من أي تعامل مع واتساب أو مستخدميه. ما كشفته ميتا الآن يعني أن NSO انتهكت هذا الأمر، وقد طلبت الشركة من المحكمة محاسبتها على احتقار القضاء.
الفلسطينيون يعيشون أصلاً في بيئة مراقبة رقمية استثنائية. وثّق مختبر المواطن (Citizen Lab)، المتخصص في رصد التهديدات الرقمية ضد المجتمع المدني، استخدام بيغاسوس بحق ناشطين وصحفيين ومحامين فلسطينيين في مناسبات متعددة. والأردن ولبنان، اللذان استُهدف فيهما مستخدمون في هذه الجولة الأخيرة، يضمّان مجتمعات فلسطينية واسعة ومنظمات حقوقية نشطة، مما يجعل الاستهداف فيهما امتداداً طبيعياً لنمط موثّق وليس حادثة عارضة.
الجهات المشاركة في هذه المعادلة تكشف عن تحولات لافتة: NSO، التي تأسست كشركة إسرائيلية، باتت منذ العام الماضي تحت ملكية أمريكية. وقد عيّنت ديفيد فريدمان — سفير ترامب لدى الاحتلال بين عامَي 2017 و2021 — رئيساً تنفيذياً لمجلس إدارتها، فيما تستعين بشركة لوبي موصوفة بقربها من الرئيس الأمريكي الحالي. المشروع المُعلَن: الخروج من القائمة السوداء لوزارة التجارة الأمريكية التي وضعتها إدارة بايدن بعد ثبوت استخدام بيغاسوس ضد مصالح أمريكية وصحفيين وناشطين حول العالم، والعودة إلى السوق الأمريكية تحت راية "التجسس الأخلاقي" لأغراض إنفاذ القانون الجنائي المحلي.
السجل السابق لشركاء NSO ومستخدميها يرسم صورة قاتمة. استُخدم بيغاسوس من قِبل حكومات استبدادية لاستهداف معارضين وصحفيين وناشطين في حقوق الإنسان عبر دول عديدة؛ من المكسيك إلى الإمارات إلى المغرب إلى المملكة العربية السعودية، وهي الأخيرة التي استُخدم فيها البرنامج بحسب التحقيقات لاختراق هاتف المقرّبين من الصحفي جمال خاشقجي قبيل اغتياله. لا توجد حالة موثّقة لحكومة استخدمت بيغاسوس بشكل حصري لأهداف مشروعة، وهو ما يجعل ادعاءات "إعادة التأهيل" مثار شكّ جدي.
المخاطر هنا لا تتوقف عند حدود انتهاك أمر قضائي أمريكي، بل تمتد إلى ما هو أبعد: إذا نجحت NSO في استعادة شرعيتها الغربية وعادت إلى السوق الأمريكية، فإن ذلك سيُرسّخ صناعة برمجيات التجسس التجارية بوصفها نشاطاً مقبولاً، ويمنحها غطاءً سياسياً وقانونياً يصعب مواجهته. في هذه المعادلة، يبقى الأكثر هشاشةً — ومنهم الفلسطينيون في الداخل والشتات — هم الحلقة الأضعف والأكثر تعرضاً للاستهداف. يقول جون سكوت رايلتون من مختبر المواطن إن ما تفعله NSO إما يدل على غطرسة مطلقة، أو على اعتقادها بأن ثمة حصانة تقيها من تبعات خرق قرار محكمة فيدرالية أمريكية — وكلا الاحتمالين ينذر بالخطر.
على هامش هذا كله، تشير ميتا إلى أن NSO كانت مرتبطة بدعوى قضائية رُفعت مطلع هذا العام تزعم أن ميتا قادرة على قراءة رسائل واتساب المشفّرة رغم أنها محمية بالتشفير الكامل — وهو ما نفته ميتا جملةً وتفصيلاً. دعاوى مماثلة رُفعت في الاحتلال وفي تكساس، مما يكشف عن استراتيجية ضغط ممنهجة تسعى إلى تشويه سمعة المنصة بالتوازي مع محاولات اختراقها.
