البنية الرقمية للاحتلال
بنية سيادية بمئة ألف معالج في النقب: كيف تدمج خطة الاحتلال للذكاء الاصطناعي الخوارزمية بالعسكر؟
2026-06-17

بنية سيادية بمئة ألف معالج في النقب: كيف تدمج خطة الاحتلال للذكاء الاصطناعي الخوارزمية بالعسكر؟

في 16 حزيران/يونيو 2026، صادقت حكومة الاحتلال (الحكومة السابعة والثلاثون) على خطة لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي، عبر قرار حكومي رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء، القرار صاغته إدارة الذكاء الاصطناعي التابعة لمكتب رئيس الوزراء مباشرة — لا لوزارة الابتكار — بما يركّز ميزانية الذكاء الاصطناعي وسياساته تحت سلطة نتنياهو الشخصية، ويقودها العميد احتياط إيريز أسكل (إشل)، الذي عُيّن في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2025 مسؤولاً عن ملف الذكاء الاصطناعي من دون مناقصة عامة، بتبرير رسمي من مفوضية الخدمة المدنية يستند إلى "الاستعجال" وإلى تصنيف المنصب بوصفه منصباً أمنياً — وهي تفصيلة تكشف الطبيعة الأمنية للبنية الجديدة منذ لحظة تأسيسها. ووفق ما نقلته صحف عبرية، رُصدت للبرنامج ميزانية قدرها 120 مليون شيكل معظمها لعام 2026، ثم 13 مليون شيكل سنوياً بعد ذلك، مع توجيه القدرة الحوسبية أساساً إلى صحراء النقب.

ماذا ينصّ عليه القرار؟

في صميم القرار يقف بند البنية الحوسبية: توسيع القدرة الحوسبية وضمان توافر معالجة متقدمة، مع تطوير قدرات محلية في أشباه الموصلات (الرقائق) وإزالة العوائق أمام الوصول إلى موارد الحوسبة، وهدف محدّد ببلوغ مئة ألف وحدة معالجة. وإلى جانبه يبرز بندان يحملان الثقل الأمني للقرار: إنشاء معهد للذكاء الاصطناعي ومراكز تسريع تربط الحكومة بالأكاديميا والصناعة والمستثمرين وتحوّل ما تسمّيه "التحديات الكبرى" إلى تطبيقات؛ وتركيز على "الذكاء السايبراني" و"الذكاء الفيزيائي" ومواجهة التزييف العميق، عبر نصٍّ صريح يربط الذكاء الاصطناعي بمجالَي "السايبر والأمن". أما بقية ما تضمّنه القرار فذو طابع عام — حاسوب كمومي (تقنية حوسبة متقدّمة تقوم على فيزياء الكمّ وتتفوّق في حلّ مسائل معقّدة كفكّ التشفير)، وتدريب الكوادر، وآلية لمواكبة تحوّلات سوق العمل، وتحسين الخدمات الحكومية.

أين يكمن الدمج بين الخوارزمية والمراقبة والعسكر؟

لا يكتفي بند الذكاء السايبراني والفيزيائي بذكر "الأمن" عرضاً، بل يجعل من الذكاء الفيزيائي والذكاء السايبراني محوراً أساسياً، ويربطهما لفظياً بـ"السايبر والأمن". و"الذكاء الفيزيائي" مصطلح يشمل الروبوتات والأنظمة الذاتية والطائرات المسيّرة وأنظمة القرار الميداني — أي القلب العملياتي للحرب الحديثة، وحين تُوضع هذه القدرات تحت إدارة يقودها جنرال في منصب مصنّف أمنياً، داخل مكتب رئيس الوزراء، يُلغى الفصل الإداري بين "الذكاء الاصطناعي المدني" و"العسكري" عند المصدر: الجهة نفسها التي تخطّط للذكاء الاصطناعي في الصحة والتعليم هي التي تخطّطه في الأمن.

ويُحكم هذا الدمج عبر آليتين ينصّ عليهما القرار. الأولى هي المعهد ومراكز التسريع، التي تربط رسمياً الحكومة بالجيش والأكاديميا والصناعة وتتعهّد بترجمة "التحديات الكبرى" إلى تطبيقات — صيغة تتيح انتقالاً سلساً للأبحاث المدنية نحو الاستخدام الأمني دون فاصل مؤسسي. والثانية هي تركيز البنية الحوسبية في النقب، حيث يجري بحث مشروع مشترك بين الولايات المتحدة والاحتلال باسم "سباير" (Project Spire) لإقامة منشأة آمنة للبحث والبنية التحتية تجمع بين معايير الأمن العسكرية الأميركية والمنظومة التقنية لدى الاحتلال — أي منشأة بحثية ذات صبغة عسكرية معلنة في عمق منطقة تشهد أصلاً سياسات تهجير ضد الفلسطينيين في النقب.

أما المفهوم الذي يسوّق به القرار نفسه فهو "السيادة الحوسبية": الهدف المعلن بناء قدرة حوسبية محلية لتقليل الاعتماد على الشركات والمزوّدات الأجنبية. وهنا تكمن خطورة القرار على الفلسطينيين تحديداً: فمنظومة الاحتلال الأمنية اعتمدت حتى الآن على بنية تحتية أجنبية قابلة للضغط أو الانسحاب، وقد ظهر ذلك حين أوقفت مايكروسوفت — بعد تحقيق صحافي — وصول الوحدة 8200 إلى بعض خدمات "أزور" التخزينية التي استُخدمت في مراقبة الفلسطينيين، أما "السيادة الحوسبية" فتعني عملياً إزالة هذا "الكابح" الخارجي: بنية محلية لا تخضع لشروط خدمة شركة أجنبية ولا لضغط الرأي العام الدولي.

ما الذي يعنيه ذلك على الأرض: الدليل من المنظومة القائمة؟

ما يَعِد به القرار من "ذكاء فيزيائي" و"ذكاء سايبراني" وبنية حوسبية محلية ليس فرضية مستقبلية، بل توسيعٌ لمنظومة موثّقة بالفعل، فجيش الاحتلال استخدم — بحسب تحقيق مجلة 972 والموقع العبري "لوكال كول" الذي أكّدته الغارديان — نظام "لافندر" لتوليد قوائم اغتيال ضمّت نحو 37 ألف فلسطيني خلال الإبادة الجماعية في غزة، إلى جانب نظام "غوسبل" لتوليد أهداف البنية التحتية، ونظام "أين بابا؟" الذي تعقّب المستهدفين إلى لحظة وجودهم في منازلهم. وفي الضفة، وثّقت منظمة العفو الدولية في تقريرها "الفصل العنصري المؤتمت" نظام التعرّف إلى الوجه "الذئب الأحمر" على حواجز الخليل، المرتبط بقاعدة "قطيع الذئاب" وتطبيق "الذئب الأزرق". وكشف تحقيق الغارديان و972 أن الوحدة 8200 خزّنت على "أزور" تسجيلات ملايين المكالمات اليومية للفلسطينيين، مع أداة تمنح الرسائل "درجات خطورة".

هذه بالضبط هي القدرات التي يَعِد بند الذكاء السايبراني والفيزيائي بتطويرها محلياً وبتوطين بنيتها التحتية.

ومن هنا تتضح المخاطر على الفلسطينيين تحديداً: بنية حوسبية بسعة مئة ألف وحدة معالجة تتيح تدريب نماذج استهداف ومراقبة أوسع وأسرع؛ ومعهد يدمج الجيش بالأكاديميا يفتح الباب لتحويل كل بحث مدني إلى أداة أمنية محتملة؛ وتصنيف "أمني" للإدارة يضعها خارج الشفافية والمساءلة؛ ومنشأة عسكرية-بحثية في النقب بمعايير أميركية، القرار، في جوهره، لا يَعِد بتقدّم تقني مجرّد، بل ببناء بنية تحتية رقمية يقف الفلسطينيون — كما في تجربة "السايبر" التي يستحضرها نتنياهو نموذجاً — في موقع حقل الاختبار الأول لها.

الكلمات المفتاحية

مرحبًا، أنا يبوس 👋·كيف يمكنني مساعدتك؟