البنية الرقمية للاحتلال
"الدبور الحديدي": حين تُختزَل قرارات القتل في خوارزمية تُطلَق من ظهر مسيّرة
2026-06-18

"الدبور الحديدي": حين تُختزَل قرارات القتل في خوارزمية تُطلَق من ظهر مسيّرة

لم يكن إعلان شركة رافائيل عن نظام «آيرون واسب» مجرّد كشفٍ عن سلاحٍ جديد مضادّ للطائرات المسيّرة، بل خطوة إضافية في مسارٍ يُسلِّم فيه الاحتلال شيئاً فشيئاً قرار الاشتباك والقتل إلى آلةٍ تعمل بالذكاء الاصطناعي. فالنظام، المطوَّر بالشراكة مع شركة «سبير يو إيه في»، يُطلَق من حاوياتٍ مثبَّتة مباشرةً على المركبات القتالية، ثم ينتقل إلى طيرانٍ ذاتيٍّ في المرحلة النهائية معتمداً على باحثٍ كهروبصري ورؤية آلية للتعرّف على الهدف وتعقّبه.

وبحسب التحليلات التقنية، فإن المستخدم لا يحتاج عملياً سوى إلى إنذارٍ باقتراب تهديدٍ كي يوافق على الإطلاق، فيما تتولّى المنظومة الباقي. هنا تكمن النقلة الجوهرية: تقليص الدور البشري إلى لحظة موافقةٍ خاطفة، وتفويض الإدراك والملاحقة والاعتراض إلى الخوارزمية.

"آيرون واسب" مشتقٌّ من منظومة "فايبر" التابعة لشركة "سبير"، وهي في الأصل عائلة ذخائر جوّالة هجومية لا أنظمة دفاعية. وتصف الشركة نفسها بأنها المطوِّر الوحيد لدى الاحتلال لذخائر جوّالة مزوّدة برؤوس حربية، وأنها مؤسَّسة على يد ضبّاطٍ من ذوي الخبرة الميدانية في جيش الاحتلال. والأهم أن "سبير" تعرّف نفسها بوصفها المورِّد الحصري لعددٍ من المشاريع لدى وزارة الحرب الإسرائيلية، ما يكشف عضوية الشركة في منظومة التسليح الرسمية لا استقلالها عنها. وقد جرى في أواخر عام 2025 استحواذ شركة "يو فيجن" على "سبير"، بهدفٍ معلَن هو ترسيخ مفهوم "القوة الجوية العضوية على مستوى الكتيبة"، أي تزويد الوحدات المناورة بقدرة ضربٍ دقيقة ذاتية التشغيل.

أما الشريك الأكبر، رافائيل، فهو ليس شركةً خاصة بل ذراعٌ للدولة؛ إذ يصف رئيسها الشركة بأنها مملوكة بالكامل للحكومة وتعدّ نفسها «المختبر الوطني»، وأن أنظمتها تُطوَّر أولاً من أجل «دفاع» الكيان قبل تسويقها تجارياً. وتُروَّج منتجات رافائيل تحت شعار "مجرَّبة قتالياً" (combat-proven)، وهو وصفٌ يعني صراحةً أنها اختُبرت في ظروف ميدانية حقيقية، وأنها متجذّرة في عمليات الاحتلال العسكرية على جبهاتٍ متعددة، من الإبادة الجماعية في غزة إلى الحرب على لبنان والحرب على إيران. وتندرج «آيرون واسب» ضمن منظومة رافائيل متعددة الطبقات التي تشمل «تروفي» للحماية النشطة و«درون دوم» ومحطات «سامسون» وليزر «لايت بيم» والقبة الحديدية.

تكمن خطورة هذا التطوّر على الفلسطينيين في أنه حلقةٌ في سلسلةٍ أوسع من «أتمتة القتل» التي تتكشّف ملامحها منذ سنوات. فقد كشفت تحقيقات صحفية أن جيش الاحتلال استخدم في غزة منظوماتٍ قائمة على الذكاء الاصطناعي مثل "هبسورا" لتوليد أهدافٍ من المباني والبنى التحتية، و"لافندر" لتحديد الأفراد، ونظام "أين بابا؟" لتعقّب المستهدَفين حتى لحظة دخولهم منازلهم. وبحسب شهادات ضبّاط استخبارات، فقد حدّد «لافندر» في الأسابيع الأولى نحو 37 ألف فلسطيني بوصفهم أهدافاً محتملة استناداً إلى صلةٍ مفترَضة بحماس، مع معاملة مخرجات الآلة وكأنها قرارٌ بشري. وأفاد أحد الضباط بأن متوسط زمن «المراجعة» البشرية لم يتجاوز نحو عشرين ثانية، تُخصَّص غالباً للتأكّد من أن الهدف ذكَر فقط، قبل إجازة القصف. إلى جانب ذلك، وثّقت منظمات حقوقية اعتماد الاحتلال على المراقبة البيومترية الواسعة، عبر أنظمة تعرّفٍ على الوجوه مثل «الذئب الأحمر» في الخليل وتقنياتٍ من شركة «كورسايت»، تُحوّل الحياة اليومية للفلسطينيين إلى مادةٍ استخباراتية تغذّي منظومات الاستهداف.

في هذا السياق، لا يُقرأ "آيرون واسب" معزولاً عن منطق "المختبر الميداني". فالتجربة المتراكمة تُظهر أن الأرض الفلسطينية المحتلة وغزة بالذات كانتا، ولا تزالان، ساحةً لتجريب الأسلحة والتقنيات قبل تصديرها؛ إذ تُسوَّق المنظومات بوصفها «مجرَّبة» لاحقاً في الأسواق العالمية. وقد بلغت صادرات الاحتلال العسكرية رقماً قياسياً تجاوز 19 مليار دولار في 2025، وهو العام الخامس على التوالي من النمو، فيما عبّر مسؤولون في وزارة الحرب صراحةً عن قيمة كون منتجاتهم "مجرَّبة قتالياً" في المنافسة على الأسواق. وعلى الجانب الآخر، بدأت دولٌ مثل إسبانيا بإلغاء صفقاتٍ مع رافائيل برفضٍ معلَنٍ "للتعامل مع حكومةٍ إبادية"، ما يكشف البُعد السياسي والأخلاقي لهذه المنظومات.

تتركّز المخاطر المحتملة في ثلاثة مستويات: الأول هو انزلاقٌ متسارع نحو الأسلحة الفتّاكة ذاتية التشغيل التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها "غير مقبولة سياسياً وبغيضة أخلاقياً"، إذ كلّما اتّسع هامش الاستقلالية تقلّص دور الرقابة البشرية الفعلية.

والثاني هو فراغ المساءلة القانونية والأخلاقية: حين يُتّخذ قرار الاشتباك بسرعةٍ خوارزمية، يصعب تحديد المسؤول عن الخطأ القاتل، خصوصاً مع توثيق حالاتٍ في حروبٍ أخرى أُسيء فيها تمييز الأهداف. والثالث، الأكثر مباشرةً للفلسطينيين، هو احتمال إدخال هذه المنظومات شبه الذاتية إلى بيئاتٍ ميدانية فلسطينية بوصفها اختباراً لفعاليتها التشغيلية، ضمن منظومةٍ دفاعية وهجومية تدمج الكشف والمراقبة والتعقّب والتشويش والاعتراض والتدمير في شبكةٍ واحدة، يتراجع فيها الإنسان من موقع صانع القرار إلى موقع المُصادِق على ما قررته الآلة.

الكلمات المفتاحية

مرحبًا، أنا يبوس 👋·كيف يمكنني مساعدتك؟