البنية الرقمية للاحتلال
89% من استثمارات التكنولوجيا لدى الاحتلال تذهب إلى الذكاء الاصطناعي
2026-09-28

89% من استثمارات التكنولوجيا لدى الاحتلال تذهب إلى الذكاء الاصطناعي

كشف تقرير سنوي إسرائيلي جديد أن قطاع الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا من قطاعات التكنولوجيا المتقدمة لدى الاحتلال، بل صار محرّكها شبه الوحيد، فخلال عام 2025 تدفّق نحو 11.8 مليار دولار إلى شركات الذكاء الاصطناعي عبر قرابة 500 جولة تمويلية، أي نحو 89% من مجمل الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، بعد أن كانت النسبة 58% فقط في 2024، ويحصي التقرير 2,948 شركة ذكاء اصطناعي تمثّل نحو ثلث شركات التكنولوجيا المتقدمة، منها 365 شركة أساسية تطوّر البنى التحتية ونماذج اللغة والتقنيات القاعدية بشكل مستقل.

شارك في تمويل شركات الذكاء الاصطناعي 1,281 صندوقًا ومستثمرًا أكثر من نصفهم أجانب. معنى ذلك أن رأس المال الدولي يتحمّل الجزء الأكبر من كلفة توسيع هذه المنظومة، في وقت تتراكم فيه الأدلة الموثّقة على توظيف الذكاء الاصطناعي في الإبادة الجماعية في غزة وفي إحكام المراقبة على الضفة الغربية.

غير أن أخطر ما في التقرير هو الإطار الذي وضعته الدولة للقطاع، وليس حجم المال، فقد أقرّت الحكومة خطة وطنية تعرّف الذكاء الاصطناعي بوصفه رصيدًا جيوسياسيًا وأمنيًا، وأنشأت مقرًا وطنيًا للذكاء الاصطناعي في مكتب رئيس الوزراء بميزانية 120 مليون شيكل. وعلى رأس هذا المقر ضابط استخبارات. فقد عيّن نتنياهو العميد في الاحتياط إيرز أسكال، الذي قاد مديرية التحول الرقمي في شعبة الاتصالات والدفاع السيبراني في جيش الاحتلال، وقاد الوحدة 9900 المسؤولة عن الاستخبارات البصرية، وشغل مناصب استخباراتية في سلاح الجو وفي قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية. وجاء التعيين دون مناقصة. وبحسب صحيفة غلوبس، فإن موظفي المديرية، مثل أسكال نفسه، قدموا من وزارة الحرب ومكتب رئيس الوزراء ومكتب المحاسب العام، وبلغت ميزانية المديرية لعام 2026 نحو 3 مليارات شيكل. هكذا تُدار سياسة الذكاء الاصطناعي المدنية من داخل العقل الاستخباراتي ذاته الذي يدير الاحتلال.

في البنية التحتية، شُغّل حاسوب عملاق وطني باستثمار حكومي قدره 160 مليون شيكل، بنته شركة نيبيوس التي يديرها فريق إسرائيلي، على معالجات من إنفيديا التي جعلت دولة الاحتلال ثاني أكبر مراكزها عالميًا. ويطمح الاحتلال إلى اقتناء 100 ألف مُسرِّع خلال 5 سنوات.

أما على المستوى الدولي، انضم الاحتلال إلى مبادرة "باكس سيليكا" التي تقودها الولايات المتحدة لتأمين سلاسل إمداد أشباه الموصلات اللازمة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإمارات واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهولندا والمملكة المتحدة وأستراليا. وتصف صحيفة كالكاليست هذا الانضمام بأنه نقل للاحتلال من فئة مقيّدة إلى ما يسميه المسؤولون "النادي الذهبي"، بما يضمن له وصولًا إلى الرقائق المتقدمة وقدرات الحوسبة الفائقة. وقد وقّع الاتفاق المستشار الاقتصادي لنتنياهو، آفي سمحون.

تكتسب هذه الأرقام معناها الفلسطيني حين تُقرأ بجانب ما كشفته التحقيقات الصحفية خلال العامين الماضيين. فقد كشف تحقيق مشترك لصحيفة الغارديان ومجلة +972 وموقع "لوكال كول" أن الوحدة 8200 درّبت نموذجًا لغويًا على فهم العربية المحكية، باستخدام كميات ضخمة من المكالمات الهاتفية والرسائل النصية التي اعترضتها في الأراضي المحتلة. ويُقدَّر حجم بيانات التدريب بنحو 100 مليار كلمة عربية، وقد بدأ التحول الحاسم مع بدء الإبادة الجماعية في غزة، حين جنّدت الوحدة خبراء نماذج لغوية من شركات تكنولوجيا خاصة كجنود احتياط. وركّز النموذج على اللهجة الفلسطينية واللهجات اللبنانية. هنا تحديدًا تتضح الحلقة: الكفاءات التي يموّلها رأس المال الخاص في الشركات الناشئة ولدى عمالقة التكنولوجيا هي نفسها التي تعود في زمن الحرب لبناء أدوات المراقبة.

ولا تقتصر المسألة على النماذج اللغوية. فقد كشف تحقيق آخر أن الوحدة 8200 استخدمت منصة الحوسبة السحابية "أزور" من مايكروسوفت لتخزين بيانات مكالمات فلسطينيين جُمعت عبر مراقبة جماعية في غزة والضفة، وأن هذا النظام ساعد في توجيه غارات قاتلة، وأن جزءًا كبيرًا من البيانات خُزّن على خوادم في هولندا وإيرلندا. وبلغ حجم المكالمات المعترضة نحو 8,000 تيرابايت، وكان شعار الوحدة غير الرسمي "مليون مكالمة في الساعة". وبعد أن أوقفت مايكروسوفت جزءًا من خدماتها، أفادت مصادر استخباراتية بأن الوحدة خططت لنقل البيانات إلى منصة أمازون للخدمات السحابية. وفي غزة، كشف تحقيق +972 و"لوكال كول" أن نظام "لافندر" وسم نحو 37 ألف فلسطيني كمشتبه بهم، رغم أن نسبة الخطأ المعروفة فيه تقارب 10%، وأن نظامًا آخر يُسمّى "أين أبي؟" استُخدم لتتبّع المستهدفين وقصفهم داخل منازل عائلاتهم.

من هنا تتحدد المخاطر بدقة. فالبيانات الشخصية للفلسطينيين، من مكالماتهم ورسائلهم وتحركاتهم، تُستخدم مادة خامًا لتدريب أنظمة تُصنّفهم وتستهدفهم، دون أي موافقة أو رقابة قضائية أو حق في الاعتراض. ويصبح نقل هذه البيانات إلى سحابات تجارية خارج الحدود، كما حصل مع أزور ثم أمازون، توسيعًا لنطاق المراقبة جغرافيًا وتقنيًا. ويعني تعريف الذكاء الاصطناعي رسميًا كرصيد أمني، تحت إدارة ضابط استخبارات سابق، أن الحدود بين البحث المدني والاستخدام العسكري تُمحى عمدًا، في حين يبقى القطاع التكنولوجي الفلسطيني محرومًا من الحوسبة الفائقة ومن الوصول المستقل إلى المعدات.

أما الشركاء فصلتهم بالاحتلال بنيوية لا عرضية، إنفيديا تجعل دولة الاحتلال ثاني أكبر مراكزها عالميًا وتزوّد حاسوبها الوطني بالمعالجات. ونيبيوس تبني البنية التحتية السيادية للحوسبة. والإدارة الأمريكية تدمج الاحتلال في تحالف سلاسل الإمداد. ومايكروسوفت وأمازون استضافتا، وفق التحقيقات، أرشيف المراقبة الجماعية للفلسطينيين. ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه التقرير: كم من هذه المليارات الـ11.8 سيعود، بشكل مباشر أو عبر جنود الاحتياط والتقنيات مزدوجة الاستخدام، إلى غرف الاستهداف؟

المصادر: كالكاليست + غلوبس + هيئة الابتكار + جيروزاليم بوست + مجلة +972 + الغارديان + داتا سنتر داينامكس

الكلمات المفتاحية

مرحبًا، أنا يبوس 👋·كيف يمكنني مساعدتك؟