
مختبر الموت المفتوح: كيف يحوّل رأس المال العالمي جثث الفلسطينيين إلى شهادة جودة تقنية؟
الإبادة الجماعية في غزة والحرب على لبنان تحوّلتا إلى ساحة اختبار حية تُقاس فيها كفاءة أدوات القتل والمراقبة الرقمية قبل تسويقها عالمياً. من نظام يُركَّب على بندقية الجندي للتحكم بالمسيّرات، مروراً بمركز عملاق للذكاء الاصطناعي في النقب المحتل، واستحواذ سيبراني أوروبي على شركة إسرائيلية، وصولاً إلى مساعد ذكاء اصطناعي عبري داخل واتساب؛ يرصد هذا الموجز شبكة العلاقات بين الاحتلال ورأس المال التقني الغربي، ويحلّل في كل حالة الجهات المشاركة، والمشاريع المرتقبة، والمخاطر المباشرة على الفلسطينيين، وطبيعة علاقة كل شريك بمنظومة الاحتلال.
من بندقية الجندي إلى طائرة القتل: نظام LADRS مُجرَّب في غزة ولبنان
أسّس النقيب الاحتياطي في لواء "كارميلي" التابع لجيش الاحتلال، إيلاد عمار، بالشراكة مع مهندس الطيران أندرو غرينغارتن، شركة ناشئة في ولاية جورجيا الأمريكية طوّرت نظام "لادرس" (LADRS)، وهو جهاز خفيف يزن نحو 250 غراماً يُركَّب مباشرة على بندقية الجندي الشخصية، ويتيح له تسيير مسيّرات هجومية أو استطلاعية وتوجيه القصف عبر حركة بندقيته الطبيعية فقط، دون ترك سلاحه أو تشتيت انتباهه. اعترفت الشركة صراحة بأن مؤسسها عمار اختبر وطوّر النموذج الأولي للنظام بنفسه أثناء خدمته الاحتياطية الفعلية في الإبادة الجماعية بقطاع غزة والحرب على لبنان، إذ صُمم النظام ليُمكِّن أي جندي مشاة، بعد تدريب لا يتجاوز الساعة، من تنفيذ مهام تمشيط وتطهير للمباني والأحياء السكنية، وكشف الكمائن قبل تقدّم القوات — أي أن الأحياء الفلسطينية واللبنانية تحوّلت حرفياً إلى ساحة تجارب لتطوير سلاح استُخدم لاحقاً لتسويق الشركة أمام المستثمرين.
تسعى الشركة لجولة تمويل بقيمة 5 ملايين دولار، وقد حظيت بدعم مباشر من "صناعات الفضاء الإسرائيلية" وصندوق "ستاربرست" الاستثماري عبر برنامج تسريع الأعمال "أسترا". كما يستخدم النظام حالياً وحدات خاصة في جيش الاحتلال، وقوات مشاة البحرية والعمليات الخاصة الأمريكية، وحصلت الشركة على عقود توريد إلى دول خارج الولايات المتحدة من بينها سنغافورة، ما يفتح الباب أمام انتشار سلاح "مُجرَّب" على الفلسطينيين في جيوش وأسواق أخرى حول العالم. والعلاقة بالاحتلال هنا ليست تمويلية فقط بل تأسيسية: مؤسس الشركة ضابط احتياط فعلي في جيش الاحتلال، والاختبار الميداني للسلاح جرى أثناء عملياته العسكرية المباشرة، ما يجعل الشركة امتداداً بنيوياً لمنظومة القتل العسكرية وليست مجرد متعاقد مدني معها.
خوارزميات إنفيديا وتغذية جيش الاحتلال
افتتحت شركة إنفيديا العالمية مركزاً ضخماً للبحث والتطوير في مجمع التكنولوجيا المتقدمة ببئر السبع المحتلة، بمساحة تبلغ ثلاثة أضعاف مركزها السابق في المدينة ذاتها، ويضم حالياً أكثر من 150 موظفاً مع خطط توسّع مستمرة تشمل توظيف مئات المهندسين ومطوري الرقاقات وخبراء أمن المعلومات. يعمل المهندسون هناك على حل ما يُعرف بـ"مشكلة الاختناق" في نقل البيانات بين معالجات خوادم الذكاء الاصطناعي، عبر تطوير منصات "سبكتروم-إكس" لتسريع شبكات الإيثرنت، وبنية اتصالات "كوانتم-إكس إنفينيباند"، ووحدات معالجة البيانات "بلوفيلد" المخصصة للتشفير وإدارة الشبكات الأمنية.
يشارك في هذا المشروع، إلى جانب الشركة الأم، جامعة بن غوريون كطرف بحثي، والوحدات التكنولوجية والاستخباراتية لجيش الاحتلال — وعلى رأسها الوحدة 8200 — التي نُقلت معسكراتها حديثاً إلى النقب، في ما يُعرف داخلياً بمشروع تمركز القدرات السيبرانية والاستخباراتية بعيداً عن مرمى الصواريخ. والعلاقة بالاحتلال هنا مباشرة وبنيوية: البنية التحتية الفائقة التي تبنيها إنفيديا لا تخدم فقط قطاع التكنولوجيا المدني، بل تغذّي خوارزميات الرصد والتعرف والاستهداف العسكري التي يستخدمها جيش الاحتلال، بما أن معالجة البيانات بهذه السرعة هي ما يُمكِّن أنظمة الاستهداف الآلي وتحليل الصور الجوية والاستخباراتية على نطاق واسع.
تتضاعف المخاطر المباشرة على الفلسطينيين هنا، من جهة، يُسرّع هذا التمدد التقني من وتيرة التهجير القسري للبدو الفلسطينيين في النقب لصالح توطين مستوطنين جدد ومشاريع تكنولوجية، ومن جهة أخرى يمنح جيش الاحتلال قدرة حوسبية غير مسبوقة لتحليل بيانات المراقبة الجماعية التي تُجمع من الضفة الغربية وغزة، بما يشمل التعرف على الوجوه وتتبع الأنماط السلوكية.
استحواذ سيبراني بلجيكي يموّل تل أبيب
استحوذت شركة الأمن السيبراني البلجيكية "أيكيدو"، التي بلغت مؤخراً قيمة "يونيكورن" (مليار دولار)، على شركة "روت" الإسرائيلية الناشئة في صفقة بلغت قيمتها عشرات ملايين الدولارات. طوّرت "روت" تقنية تتيح للمبرمجين إصلاح الثغرات الأمنية في البرمجيات ومصادرها المفتوحة مباشرة داخل بيئة العمل، دون تعطيل التطبيقات أو إجبار الشركات على تحديثات وعمليات ترحيل معقدة. أسّس الشركة كل من بنجي كالمان وميكي جوردون وإيان روبيل وجون أمارال، وسبق أن تلقّت تمويلاً بقيمة 31 مليون دولار من صناديق بارزة من بينها "إنسايت بارتنرز" و"بولدستارت فنتشرز".
بموجب الصفقة سينضم نحو 15 مهندساً ومطوراً من تل أبيب إلى الشركة البلجيكية المستحوذة، ليشكّلوا مركزها التطويري الإسرائيلي الرسمي — وهو ما يعني عملياً أن شركة أوروبية باتت مشغِّلاً مباشراً على الأرض، يضخّ أموالاً في خزينة الاحتلال ويشكّل اختراقاً فعلياً لجهود المقاطعة الدولية. والأخطر أن تبعية أكثر من 100 ألف فريق تطوير برمجي حول العالم لتقنية يديرها مهندسون إسرائيليون — كثير منهم من خريجي وحدات استخباراتية عسكرية — يفتح الباب أمام مخاوف حقيقية بشأن إمكانية زرع "أبواب خلفية" داخل برمجيات مفتوحة المصدر تُستخدم عالمياً، قبل إصلاح ثغراتها الظاهرة.
ميتا بالعبرية: حين تصبح الخوارزمية أداة رقابة على الفلسطينيين
دخلت شركة "ميتا" العالمية السوق الإسرائيلية بقوة عبر الإطلاق الرسمي لمساعدها الشخصي الرقمي المدمج بالكامل باللغة العبرية على تطبيقاتها، وأبرزها واتساب. يعتمد المساعد على نموذج التفكير والتحليل متعدد الأنظمة "ميوز سبارك"، القادر على موازنة معالجة النصوص الفورية مع التحليل العميق للبيانات المرئية ولقطات الشاشة في الوقت الفعلي، ويتيح للمستخدمين إنشاء وتعديل الصور، والحصول على معلومات فورية عن لقطات الشاشة دون مغادرة المحادثة، وإدارة المهام، وتعتمد إجاباته على تحليل المحتوى والآراء المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي التابعة للشركة نفسها، وليس فقط مسح الويب.
تُشكّل تطبيقات ميتا، وخاصة واتساب وفيسبوك، قنوات تواصل حيوية للفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة والشتات على حد سواء، ما يجعل هذا الإطلاق مساساً مباشراً بحياتهم اليومية لا مجرد تحديث تقني بعيد عنهم، قدرة المساعد الجديد على تحليل الصور وقراءة لقطات الشاشة داخل غرف المحادثات النشطة تفتح الباب أمام انتهاك خصوصية غير مسبوق ورقابة فورية على المحتوى.
ويضاف إلى ذلك خطر التحيّز الخوارزمي البنيوي: فتدريب النموذج على السياق الثقافي واللغوي العبري المحلي يرجّح أن يؤدي إلى مزيد من حجب وقمع المحتوى الفلسطيني، وتصنيف الخطاب السياسي المناهض للاحتلال بوصفه محتوى "مخالفاً" أو "خطيراً"، بما يكرّس رقابة خوارزمية مزدوجة المعايير. وبما أن ميتا شركة مدنية بلا صلة مؤسسية مباشرة بجيش الاحتلال، فإن خطرها يكمن تحديداً في هذا الحياد الظاهري: أداة تبدو تقنية بحتة، لكنها مبنية على سياق ثقافي واحد يهمّش الرواية الفلسطينية.
