
في بريطانيا: شريك الإبادة لا يُؤتمَن على ملفّك الطبي
قدّم أكثر من 44 ألف بريطاني اعتراضات قانونية رسمية يطالبون فيها هيئة الخدمات الصحية الوطنية بوقف معالجة سجلاتهم الطبية على منصة تديرها شركة بالانتير الأمريكية بعقد قيمته 330 مليون جنيه إسترليني. يتيح القانون البريطاني لأي شخص الاعتراض على معالجة بياناته، ويُلزم الجهة المعالِجة بالتوقف ما لم تقدّم مبررًا قويًا للاستمرار. ولم يكن دافع المعترضين تقنيًا، إذ ربطت الحملة التي نسّقتها منظمة "38 ديغريز" رفضها صراحةً بعمل الشركة لصالح جيش الاحتلال في غزة.
ويستند هذا الرفض إلى سجل لا تخفيه الشركة، ففي كانون الثاني/يناير 2024، بعد ثلاثة أشهر من بدء الإبادة الجماعية في غزة، أعلنت بالانتير شراكة استراتيجية مع وزارة الحرب الإسرائيلية "دعمًا للمهام المرتبطة بالحرب"، وزوّدتها بأدوات ذكاء اصطناعي تحلّل الأهداف وتقترح خططًا قتالية. وحين واجه رئيسها التنفيذي أليكس كارب اتهامات بقتل الفلسطينيين، لم ينفِها، واكتفى بوصف الضحايا بأنهم "إرهابيون في معظمهم". لهذا أدرجت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي الشركة ضمن الجهات المستفيدة مما سمّته "اقتصاد الإبادة".
ومن هنا تمسّ القضية الفلسطينيين مباشرة، فالمنصة الصحية البريطانية مبنية على البرمجية ذاتها التي تبيعها بالانتير للجيوش، وتقوم على المنطق ذاته: جمع بيانات متفرّقة في مكان واحد وتحليلها. وكل عقد مدني تكسبه الشركة يمنحها مالًا وشرعية يعودان في النهاية إلى ذراعها العسكرية. أما الخطر على الخصوصية، فقد تجاوز التنظير منذ أن اعتذرت الهيئة الصحية في آب/أغسطس عن ادعاء غير صحيح بأن موظفيها وحدهم يستطيعون الوصول إلى بيانات المرضى. ويعزّز هذه المخاوف أن الشركة نفسها تساعد سلطات الهجرة الأمريكية على تعقّب المهاجرين، مستعينةً أحيانًا ببيانات طبية.
ويأتي هذا كله قبيل قرار حاسم، إذ يتعيّن على الحكومة البريطانية أن تقرّر قبل نهاية العام إن كانت ستفسخ العقد أو تمدّده. وفي يوم إعلان الاعتراضات، ركنت منظمة العفو الدولية أمام مكتب الشركة في لندن شاحنة على هيئة سيارة إسعاف فلسطينية مثقوبة بالرصاص، في رسالة تختصر القضية: من يشارك في الحرب على غزة لا يُؤتمَن على صحة الناس.
المصادر: ذا غارديان + بلومبرغ + كومبيوتنغ + منظمة العفو الدولية
