
عندما يتحول جيش الاحتلال إلى "استوديو ريادة أعمال": 6 ملايين دولار لتفريخ عشرات شركات الذكاء الاصطناعي
أعلنت شركة "إينيفيتابل إيه آي غروب" (IAIG)، ومقرها تل أبيب، عن إغلاق جولة تمويل تأسيسية بقيمة 6 ملايين دولار بقيادة صندوق "أليف" (Aleph) الإسرائيلي، في خطوة تهدف إلى تأسيس وإطلاق عشرات الشركات الناشئة المبنية على الذكاء الاصطناعي خلال العام الجاري، تصف الشركة نفسها بأنها "استوديو ريادة أعمال" يراهن على أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قلّصت الفجوة الزمنية والمالية اللازمة لبناء منتجات برمجية جاهزة للسوق، بحيث يمكن الوصول إلى مستوى مطابق للمنافسين القائمين خلال أسابيع بدل سنوات، ومنذ إطلاقها في كانون الثاني الماضي أسست الشركة خمس مشاريع بالفعل وتخطط لإطلاق عشرات أخرى بحلول نهاية العام.
أسس الشركة كل من نمرود لهافي وعوفر بار أور، وكلاهما يحمل سجلاً حافلاً في المنظومة التقنية الإسرائيلية. لهافي، الرئيس التنفيذي، هو المؤسس السابق لشركة "سيمبلكس" المتخصصة في بنية تحتية لمدفوعات العملات المشفرة ومنع الاحتيال المالي، والتي استحوذت عليها الشركة الكندية "نوفي" (Nuvei) مقابل نحو 300 مليون دولار عام 2021؛ كما أنه عضو في مجلس إدارة جمعية البيتكوين الإسرائيلية. أما بار أور، مدير العمليات، فيحمل خبرة تمتد أكثر من ثلاثين عاماً في قطاعات الاتصالات وأشباه الموصلات والبنية التحتية للإنترنت وتعلّم الآلة، وسبق أن أسس شركة "بارالل إم" المتخصصة في عمليات تعلّم الآلة والتي استحوذت عليها "داتا روبوت"، إضافة إلى شركة "يو سي إن غو" التي استحوذت عليها "إمبلايز". والأهم أن بار أور خريج برنامج "تالبيوت" العسكري النخبوي، وأمضى سبع سنوات في برنامج الفضاء الإسرائيلي.
برنامج تالبيوت ليس برنامجاً أكاديمياً عادياً، بل منظومة تجنيد عسكرية أسسها جيش الاحتلال عام 1979 بدعم من سلاح الجو الإسرائيلي وإدارة تطوير الأسلحة والصناعة التكنولوجية التابعة له، بهدف انتقاء أكثر الطلبة تفوقاً في العلوم من خريجي الثانوية وتحويلهم إلى "جنود خارقين" يجمعون بين تدريب عسكري مكثف ودراسة أكاديمية متسارعة في الفيزياء والرياضيات وعلوم الحاسوب، تمهيداً لدمجهم في وحدات البحث والتطوير العسكري لتطوير أسلحة ومنظومات دفاع صاروخي وأدوات حرب سيبرانية وأقمار صناعية للاستطلاع تُغذّي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وقد أنتج البرنامج على مدى عقود مؤسسي شركات كبرى في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، من بينهم مؤسسو "تشيك بوينت" للأمن السيبراني.
أما الممول الرئيسي، صندوق "أليف"، فتقوده الشريك المتساوي إيدن شوحط، الذي سبق أن صرّح علناً بأن مجالات "البيانات الضخمة والتعلّم العميق ورؤية الآلة" هي محاور اهتمام رئيسية لدى خريجي "الوحدة 8200"، وحدة الاستخبارات الإشارية والحرب السيبرانية التابعة لجيش الاحتلال والمعادلة وظيفياً لوكالة الأمن القومي الأميركية. ويوثّق باحثون ومنابر متخصصة نمطاً متكرراً وصفوه بـ"الحلقة المغلقة": ضابط استخبارات يطوّر أدوات مراقبة داخل الخدمة العسكرية، ثم يغادر الجيش ليؤسس شركة ناشئة في الأمن السيبراني أو إدارة البيانات بتمويل من صناديق مثل "أليف" التي تُفصح صراحة عن استهدافها خريجي الوحدة ٨٢٠٠ كمعيار استثماري، لتُستحوذ لاحقاً هذه الشركات من عمالقة التكنولوجيا الأميركيين الذين يعيدون بيع خدمات إدارة البيانات ذاتها لحكومات وشركات حول العالم. من رحم هذه المنظومة نفسها خرجت أدوات تجسس مثل برنامج "بيغاسوس" التابع لمجموعة "إن إس أو"، والذي استُخدم لاستهداف صحفيين وناشطين ومعارضين في عشرات الدول.
لماذا يهم هذا الفلسطينيين تحديداً؟ لأن النموذج الذي تروّج له "إينيفيتابل إيه آي غروب" ليس مجرد استثمار تقني عابر، بل تسريع ممنهج لضخ رأس المال والخبرة التقنية المتجذرة أصلاً في منظومة الاستخبارات والدفاع الإسرائيلية إلى قطاع البرمجيات الاستهلاكية العالمي، عبر غلاف تسويقي عام يخفي أصول هذه الخبرة العسكرية تحت مسمى "ريادة أعمال بالذكاء الاصطناعي". فحين يجتمع مؤسس متخصص في بنية تحتية للمدفوعات ومنع الاحتيال (وهي تقنيات ذات استخدام مزدوج يمكن توظيفها في المراقبة المالية) مع مؤسس آخر أمضى سنوات في تطوير أسلحة وأنظمة فضائية عسكرية، وممول يتباهى علناً بانتقاء خريجي وحدة استخبارات إشارية بعينها، فإن أي شركة تخرج من هذا "الاستوديو" تحمل معها، ولو بشكل غير مباشر، بصمة المنظومة العسكرية والاستخباراتية ذاتها التي تُدير أنظمة المراقبة والتصنيف الرقمي المستخدمة تاريخياً ضد الفلسطينيين، من قواعد بيانات التصاريح إلى أنظمة التعرف على الوجه المنتشرة عند الحواجز وفي الضفة الغربية المحتلة.
أما المشاريع المحتملة فتبقى غامضة إلى حد كبير، إذ تكتفي الشركة بالحديث عن "استهداف فئات برمجية مُثبتة الطلب" يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسّن كفاءتها أو يخفّض تكلفتها، دون الإفصاح عن القطاعات بعينها، غير أن خلفية المؤسسَين في المدفوعات المشفرة، وعمليات تعلّم الآلة، وإدارة البيانات الضخمة، ترجّح أن تتجه بعض هذه الشركات نحو قطاعات المدفوعات، والأمن السيبراني، وأتمتة العمليات المؤسسية، وهي قطاعات تتقاطع تاريخياً مع أدوات المراقبة والتحكم الرقمي.
بالنسبة المخاطر فتتلخص في أن نموذج "الاستوديو" هذا يطبّع خطاب ريادة الأعمال المحايد ظاهرياً حول الذكاء الاصطناعي، بينما يعيد إنتاج وتمويل وتوسيع الشبكة ذاتها التي تربط الجيش الإسرائيلي برأس المال الاستثماري العالمي، ما يصعّب على المستخدمين والمستثمرين خارج إسرائيل تتبّع الروابط الفعلية بين المنتجات البرمجية "المدنية" التي يستخدمونها يومياً وبين المنظومة العسكرية التي شكّلت مؤسسيها وموّلتها. وكل شركة جديدة تُطلق بهذه السرعة وبهذا الغموض بشأن قطاعها، تعني حاجة متجددة لفحص علاقتها الفعلية بالاحتلال قبل انتشارها.
المصادر: كالكاليست + يديعوت أحرونوت + تايمز أوف إسرائيل + ذا تاور + ميديوم + شورت فورم + تك تو غيك + نيتيش أسترا + ويوزكوينز
