البنية الرقمية للاحتلال
دُرّب على مكالماتنا: كيف يجهّز الاحتلال ذكاءه الاصطناعي لعصر الحوسبة الكمومية
2026-09-08

دُرّب على مكالماتنا: كيف يجهّز الاحتلال ذكاءه الاصطناعي لعصر الحوسبة الكمومية

في تموز/يوليو 2026، أعلنت هيئة الابتكار الإسرائيلية طلب عروض بقيمة 100 مليون شيكل لبناء بنية بحثية وطنية للحوسبة الكمومية، تُلزم من يشغّلها بدمج 3 تقنيات معالجة مختلفة على الأقل في منظومة واحدة، على أن تُغلق العروض في 8 تشرين الأول/أكتوبر وتُنشأ البنية خلال عام، الخبر يبدو تقنيًا وبعيدًا، لكنه في الحقيقة الخطوة التالية في مسار بدأ منذ سنوات، ويصل في نهايته إلى شيء يخصّنا مباشرة: أرشيف مكالماتنا.

الحاسوب الكمومي نوع مختلف من الحواسيب، يحلّ مسائل معينة أسرع بكثير جدًا من أي حاسوب نعرفه. والاحتلال لا يحاول بناء حاسوب كامل ينافس غوغل أو آي بي إم، بل يحاول امتلاك القطع التي لا يعمل أي حاسوب كمومي في العالم من دونها، تخيّل شركة لا تصنع السيارة، لكنها تحتكر المحرك ولوحة القيادة، فتبيع للجميع ويشتري منها الجميع.

شركة "كوانتم ماشينز" في تل أبيب هي لوحة القيادة، تصنع الأجهزة والبرمجيات التي تُصدر الأوامر للحاسوب الكمومي وتربطه بالحواسيب العادية، وتقول إن أكثر من نصف الشركات التي تبني حواسيب كمومية في أكثر من 30 دولة تستخدم تقنيتها، وقد جمعت 280 مليون دولار بمشاركة ذراع إنتل الاستثمارية، وتعمل مع إنفيديا وكوالكوم. وشركة "كوانتم سورس" في رحوفوت تشتغل على المعالجة بالضوء، أسسها عام 2021 فريق من بينه البروفيسور باراك دايان من معهد وايزمان. وشركة «تاور سيميكوندكتر» تصنع الرقائق الضوئية فعليًا، ووسّعت في شباط/فبراير 2026 تعاونها مع شركة «زانادو» الكندية، وهي شركة تخدم أسواقًا من بينها الطيران والدفاع.

وخلف هذه الشركات دولة لا سوق. المبادرة الكمومية الوطنية خصصت نحو 1.25 مليار شيكل حتى 2026، وجيش الاحتلال يموّل مباشرة أبحاث الاستشعار والملاحة والتوقيت. وحين أُنشئ المركز الكمومي الوطني بميزانية 100 مليون شيكل وأدارته «كوانتم ماشينز»، كانت شركة السلاح «إلبيت سيستمز» شريكًا استراتيجيًا فيه. وأول حاسوب كمومي محلي بـ 20 كيوبت جاء من تعاون قادته الهيئة مع الصناعات الجوية الإسرائيلية والجامعة العبرية. أي أن الخط الفاصل بين البحث الأكاديمي والصناعة العسكرية غير موجود أصلًا. وهذا كله في سوق صغير نسبيًا يضم نحو 20 شركة ناشئة، لكنه يستحوذ على 9% من الاستثمار الخاص العالمي في هذا المجال.

الجزء الذي يخصّنا: الآلة التي تعرفنا

كل ما سبق أدوات. والسؤال هو: ماذا سيُشغَّل عليها؟ والجواب موجود منذ سنوات.

كشف تحقيق مشترك لصحيفة «الغارديان» ومجلة «+972» وموقع «لوكال كول» أن الوحدة 8200 استخدمت خدمة «أزور» من مايكروسوفت منذ 2022 لتخزين آلاف التيرابايتات من مكالمات الفلسطينيين في غزة والضفة، بعد أن وجدت أن خوادمها الخاصة لا تحتمل تسجيل مكالمات شعب كامل، حتى بلغت البيانات المخزنة على خوادم في هولندا 11,500 تيرابايت. ووصفت المصادر نظامًا قادرًا على تسجيل مليون مكالمة في الساعة، استُخدم في الضفة للابتزاز والاعتقال ولتبرير عمليات قتل بعد وقوعها، ويتيح سماع مكالمات فلسطينيين حتى خارج الأراضي المحتلة، قبل أن توقف مايكروسوفت في أيلول/سبتمبر 2025 مجموعة من خدماتها عن وحدة تابعة لوزارة الحرب الإسرائيلية.

ثم جاءت الخطوة الأخطر: بحسب ما وثّقته لجنة الحقوقيين الدوليين من أجل فلسطين، طوّرت الوحدة 8200 نموذجًا لغويًا كبيرًا شبيهًا بـ«تشات جي بي تي»، ودرّبته على فهم العربية المحكية باستخدام كميات ضخمة من المكالمات والرسائل النصية التي جمعتها من مراقبتها للأراضي المحتلة، وصُمم النظام للإجابة عن أسئلة تخصّ أفرادًا تحت المراقبة. بكلمات مباشرة: مكالماتنا لم تُخزَّن فقط، بل صارت المادة التعليمية التي تعلّم منها الذكاء الاصطناعي كيف يفهمنا.

وما بُني على هذه المادة التعليمية معروف، أنظمة «لافندر» و«هبسورا» و«أين بابا؟» تُنتج قوائم أهداف تلقائيًا، الأول للأشخاص والثاني للمباني والثالث لتعقّب شخص حتى لحظة دخوله بيته. وفي الضفة، وثّقت منظمة العفو الدولية في تقريرها «الفصل العنصري الآلي» عام 2023 نظام «الذئب الأحمر» على حواجز الخليل، الذي يمسح الوجوه ويطابقها بقاعدة بيانات ويحدد من يمرّ ومن لا يمرّ، ويسجّل الوجوه الجديدة تلقائيًا، إلى جانب تطبيق «الذئب الأزرق» الذي يتيح للجنود استخراج معلومات عن الفلسطينيين، مع شهادات عن جوائز وتصنيفات للوحدات بحسب عدد الوجوه المسجَّلة. وفي غزة، أفادت «نيويورك تايمز» بأن جيش الاحتلال يشغّل نظام تعرّف على الوجوه واسعًا يجمع وجوه الفلسطينيين ويفهرسها دون علمهم، بتقنية من شركة «كورسايت» ومن «غوغل فوتوز».

أين يلتقي الخطّان

الرابط بين الحوسبة الكمومية وهذه المنظومة يمرّ من ثلاث نقاط، لا واحدة

الأولى هي التشفير. التشفير هو ما يحمي رسائلنا اليوم، وهو في جوهره قفل رياضي يحتاج كسره وقتًا طويلًا جدًا بالحواسيب العادية. الحاسوب الكمومي، حين ينضج، يختصر هذا الوقت. ولأن أحدًا لا يستطيع كسر التشفير اليوم، تلجأ أجهزة الاستخبارات إلى حيلة بسيطة: تجمع البيانات المشفّرة الآن وتخزّنها وتنتظر، الفارق عندنا أن مرحلة الجمع انتهت. عند غيرنا يحتاج الأمر جمع البيانات أولًا ثم فكّها، وعندنا الأرشيف جاهز ومفهرس بالأسماء والأماكن منذ 2022.

الثانية هي المعالجة: أنظمة تحديد الأهداف والتعرف على الوجوه تعمل على كمّ هائل من البيانات، وسرعتها اليوم مقيّدة بقدرة الحواسيب، وأي قفزة في قدرة المعالجة تعني قوائم أطول وأسرع وبمراجعة بشرية أقل، وهو أصلًا ما رصده الصحفيون في غزة حين وثّقوا أن كثيرًا من المشغّلين وثقوا بـ«لافندر» ووافقوا على أهدافه دون تدقيق.

والثالثة هي الاستشعار، المستشعرات الكمومية تتيح ملاحة بالغة الدقة لا تحتاج أقمار تحديد المواقع، ومسحًا ليزريًا يرسم المكان بتفاصيله، واتصالات يصعب اختراقها. ميدانيًا هذا يعني خرائط أدق للمخيمات والأحياء، وأنظمة استهداف يصعب التشويش عليها.

وتشير تقديرات دفاعية إلى أن الحاسوب الكمومي القادر على كسر التشفير قد يحتاج 8 إلى 10 سنوات إضافية، وأن الاحتلال يعمل في الوقت نفسه على تشفير من جيل جديد يصمد أمام هذه الحواسيب، اي أننا أمام واقع طرف يحصّن اتصالاته اليوم استعدادًا للغد، ويحتفظ في الوقت نفسه بأرشيف الطرف الآخر، بينما لا تملك المؤسسات الفلسطينية والصحفيون والمحامون خطة ولا تمويلًا لتحديث تشفيرهم. وقد قال رئيس سابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية العبارة صراحة: التقنيات الكمومية ستنتج 90% من المعلومات الاستخبارية مستقبلًا، وستجعل العالم الرقمي للاحتلال أكثر أمنًا وأرشيفات بقية العالم أقل أمنًا بكثير.

المصادر: الغارديان + +972 + لوكال كول + منظمة العفو الدولية + نيويورك تايمز + لجنة الحقوقيين الدوليين من أجل فلسطين + كالكاليست + تايمز أوف إسرائيل + جيروزاليم بوست + هيئة الابتكار الإسرائيلية

الكلمات المفتاحية

مرحبًا، أنا يبوس 👋·كيف يمكنني مساعدتك؟