مراقب شراكات الإبادة
جوجل تبني في تل أبيب دماغ الآلة التي لا تحتاج إلى الإنترنت
2026-09-14

جوجل تبني في تل أبيب دماغ الآلة التي لا تحتاج إلى الإنترنت

أنهت جوجل خلال الأسابيع الماضية تشكيل فريق هندسي جديد داخل مركزها للتطوير في تل أبيب وحيفا، مهمته تصميم شريحة ذكاء اصطناعي تُعالج المهام داخل الجهاز نفسه بدل إرسالها إلى السحابة. يقود الفريق غاي كامينيتز، نائب الرئيس السابق للبحث والتطوير وهندسة التصميم فائق التكامل في شركة هايلو، الذي أعلن أنه انضم إلى جوجل لقيادة مبادرة سيليكون جديدة في نطاق الذكاء الاصطناعي الطرفي، وأنه يبني مجموعة هندسية من الصفر. وانتقل معه عدد من مهندسي الأجهزة القادمين من هايلو، فيما تفتح جوجل عشرات الوظائف في تصميم الشرائح الفيزيائي، والتحقق من صحة السيليكون، وبنية عتاد تعلّم الآلة.

ووفق ما نشرته صحيفة هآرتس، تُمثّل هذه الشريحة الجيل الأول من عائلة مسرّعات جديدة موجّهة إلى ما بات يُعرف بالذكاء الاصطناعي الفيزيائي: الأنظمة التي ترى المحيط المادي وتتحرك فيه، من الروبوتات إلى المركبات إلى المنظومات ذاتية التشغيل. وتؤكد إعلانات التوظيف هذا التوجّه بما تتضمنه من متطلبات في الأنظمة ذاتية التشغيل والرؤية الحاسوبية وأجهزة الاستشعار.

ولفهم معنى هذا التحوّل ببساطة: الكاميرا الذكية اليوم ترسل ما تراه إلى مركز بيانات بعيد، ثم يعود إليها الجواب، الشريحة الجديدة تُلغي هذه الرحلة، فيصير القرار داخل الجهاز. ولهذا 3 نتائج: الأولى أن الجهاز يعمل من دون شبكة إنترنت. والثانية أنه يقرّر خلال أجزاء من الثانية. والثالثة، وهي الأخطر، أنه لا يترك بالضرورة أي سجل خارجي لما فعله. في الحالة القديمة كان هناك ما يمكن العودة إليه: وصلة اتصال، وسجلّ في الخادم، وموظف يمكن سؤاله. أما في الحالة الجديدة فلا شيء من ذلك.

وليست هذه بداية جوجل هناك، فقد دخلت مجال تصميم الرقائق في مناطق الاحتلال عام 2021، حين عيّنت أوري فرانك القادم من إنتل مسؤولًا عن تصميم رقائق الخوادم. ومنذ ذلك الحين كبر الفريق حتى بلغ نحو 700 مهندس بين تل أبيب وحيفا. وأنتج معالج أكسيون، وهو أول معالج خوادم تصممه جوجل بنفسها، إضافة إلى رقائق شبكات مراكز البيانات وعتاد مرتبط بمسرّعات تينسور. الجديد في الخبر أن الشركة تنزل الآن من السحابة إلى الأرض.

أما عن هايلو، فتأسست عام 2017 على يد خريجين من وحدة تكنولوجية نخبوية في الاستخبارات العسكرية للاحتلال. فرئيسها التنفيذي أور دانون خدم عشر سنوات وقاد خلالها مشاريع في جهاز الاستخبارات، ونال عليها جائزة الدفاع الإسرائيلية وجائزة من رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية. وطوّرت الشركة معالج هايلو-8 الذي ينفّذ 26 تريليون عملية في الثانية باستهلاك 2.5 واط فقط، وباعت أكثر من 500,000 وحدة. وفي يونيو 2026 سرّحت نحو 110 موظفين، أي نصف عامليها، وقالت في البيان نفسه إنها تركّز على الروبوتات والطائرات المسيّرة والتطبيقات الدفاعية، وإن حضورها في قطاع الدفاع يتوسّع. ثم بيعت في يوليو 2026 لشركة مايكروشيب الأميركية التي تقول عن نفسها إن لها حضورًا متناميًا في الفضاء والدفاع. أي أن المهندسين الذين انتقلوا إلى جوجل خرجوا من فريق كان قد وجّه نفسه للتو نحو السوق العسكرية.

ولا يحدث هذا بمعزل عن الدولة. فالاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي التي أقرّتها حكومة الاحتلال عام 2026 تجعل الذكاء الاصطناعي الفيزيائي أحد أعمدتها الأربعة، وتقول صراحة إنها تبني طموحها فيه على ما تراكم في الصناعات العسكرية. وتضع الخطة، المنشورة في أغسطس 2026، هدفًا يبلغ 100,000 مسرّع ذكاء اصطناعي، ومصنع رقائق عند 5 نانومتر أو أقل، وميدان اختبار وطني للأنظمة ذاتية التشغيل. وفي سبتمبر 2026 أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير عن استحداث ذراع عسكرية جديدة كاملة للروبوتات والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي قبل نهاية العام. وفي الوقت نفسه كشفت وحدة فيوز التابعة لشركة إلبيت عن أسراب من المسيّرات والمركبات الروبوتية يديرها عدد قليل من الجنود. أي أن الطلب على هذه التقنية موجود، والدولة هي التي تصنعه.

أما ما يعنيه ذلك للفلسطينيين فمكتوب أصلًا في تقارير موثّقة، فقد وثّقت منظمة العفو الدولية في تقريرها «أبارتهايد مؤتمت» منظومة «الذئب الأحمر» على حواجز الخليل. تمسح المنظومة وجوه الفلسطينيين من دون علمهم أو موافقتهم، وتقارنها بقواعد بيانات، ومن لا يجد النظام اسمه فيها يُسجَّل تلقائيًا وقد يُمنع من العبور إلى بيته. ونقلت المنظمة عن قائد في جيش الاحتلال أن الجنود كُلّفوا بتدريب خوارزمية النظام حتى تتعرّف على الوجوه من دون تدخل بشري. وهذا يصف بالضبط ما تفعله الشريحة الطرفية: تحوّل الحاجز من جهاز يسأل قاعدة بيانات بعيدة إلى جهاز يحكم وحده وفورًا. والأمر نفسه ينطبق على شبكة الكاميرات الكثيفة في القدس المحتلة، حيث رصدت المنظمة كثافة تجعل كل حركة في الشارع مادة للتحليل الآلي.

وهناك مستوى أخطر. فقد وثّقت منظمة أكسس ناو استخدام جيش الاحتلال طائرات رباعية المراوح مزوّدة برشاشات لترويع المدنيين وقتلهم، إلى جانب قنّاصات آلية ومناطق قتل تعمل تلقائيًا على حدود غزة، وأنظمة لاختيار الأهداف مثل «لافندر» و«الإنجيل» سرّعت الاستهداف وقلّصت المراجعة البشرية خلال الإبادة الجماعية في غزة. وفي الحرب على لبنان عام 2026 وصف مسؤولون عسكريون ما جرى بأنه «أول حرب روبوتات»، مع نشر عشرات آلاف الأنظمة ذاتية التشغيل التي اعتمدت على معالجة داخل الأجهزة تتيح لها العمل في أماكن لا يصلها اتصال ولا إشارة تحديد مواقع. والمعالجة الطرفية هي بالضبط ما يرفع القيد الأخير عن هذه الأنظمة، وهو الحاجة إلى وصلة اتصال. كما أدرجت المقرّرة الأممية الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي شركة ألفابت، وهي الشركة الأم لجوجل، ضمن عشرات الكيانات في تقريرها «من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة». كما أثار شراء جوجل لشركة ويز مقابل 32 مليار دولار اعتراضًا واسعًا، لأن مؤسسيها من خريجي الوحدة 8200.

الخلاصة أن ما يُبنى في تل أبيب ليس منتجًا واحدًا، بل طبقة عتاد كاملة، شركة مرتبطة بعقود مع حكومة الاحتلال تبني داخل اقتصاده، وبمهندسين تكوّنوا في مؤسسته الاستخبارية، وسواء وصلت هذه الشريحة بعينها إلى حاجز أو مسيّرة، فالأثر واحد: مراقبة أرخص وأسرع، وإثبات أصعب.

المصادر: هآرتس + ذا ماركر + تايمز أوف إسرائيل + كالكاليست + مايكروشيب تكنولوجي + أستيرا لابز + تك‑تايم + منظمة العفو الدولية، تقرير «أبارتهايد مؤتمت» + أكسس ناو + بريكينغ ديفينس + سلطة الابتكار الإسرائيلية، الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2026 + مجلة تايم + تقرير المقرّرة الأممية الخاصة فرانشيسكا ألبانيزي «من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة» + ميدل إيست آي

الكلمات المفتاحية

مرحبًا، أنا يبوس 👋·كيف يمكنني مساعدتك؟