
جنديان من "سيريت ماتكال" يعلّمان العالم الإنجليزية ويجمعان 200 مليون محادثة
حصلت شركة إسرائيلية اسمها "لورا" في أيلول 2026 على استثمار جديد بقيمة 22 مليون دولار، "لورا" تطبيق على الهاتف يعلّم اللغة الإنجليزية عبر الذكاء الاصطناعي: يتحدث المستخدم مع "معلّم" افتراضي بصوته، فيرد عليه المعلّم ويصحّح أخطاءه في النطق والقواعد، تقول الشركة إن أكثر من 15 مليون شخص حول العالم استخدموا التطبيق، وإن مجموع ما جمعته من المستثمرين منذ تأسيسها وصل إلى 43.25 مليون دولار.
أسّس الشركة عام 2020 إسرائيليان هما روي مور ويوناتان ليفين، وقد تعارفا خلال خدمتهما العسكرية في وحدة "سيريت ماتكال"، والصحافة الإسرائيلية نفسها وضعت هذه المعلومة في عناوينها، فكتبت صحيفة كالكاليست أن "قدامى محاربي سيريت ماتكال يجمعون 22 مليون دولار لتعليم العالم الإنجليزية".
"سيريت ماتكال" وحدة نخبة تتبع مباشرة لقيادة أركان جيش الاحتلال، مهمتها الأساسية التسلّل خلف خطوط العدو لجمع المعلومات، وتنفيذ عمليات خاصة خارج الحدود. ولهذه الوحدة سجل طويل في اغتيال قادة فلسطينيين، أبرزها عملية "ربيع الشباب" في بيروت عام 1973، واغتيال خليل الوزير "أبو جهاد" في تونس عام 1988، وخرج منها عدد كبير من قادة دولة الاحتلال، بينهم بنيامين نتنياهو وإيهود باراك ونفتالي بينيت، إلى جانب رؤساء أركان ورؤساء لجهازي الموساد والشاباك.
لكن الخلفية العسكرية للمؤسسَين ليست الصلة الوحيدة، الجهة التي قادت الاستثمار الجديد صندوق إسرائيلي اسمه يونيون تك فنتشرز، تملكه مجموعة يونيون، وهي شركة عائلية إسرائيلية كبيرة تستورد سيارات تويوتا وجيلي، وتعمل في متاجر الملابس والعقارات. ويشترط هذا الصندوق صراحة أن تكون الشركات التي يستثمر فيها "مرتبطة بإسرائيل"، وفي تموز 2025 موّل الصندوق نفسه شركة إسرائيلية أخرى اسمها إكستند، تصنع طائرات مسيّرة صغيرة استخدم جيش الاحتلال المئات منها في غزة خلال الإبادة الجماعية. وتقول تقارير إعلامية إن مسيّرة من صنع إكستند هي التي صوّرت يحيى السنوار في لحظاته الأخيرة. أي أن المال الذي يموّل تطبيق تعليم الإنجليزية يأتي من الصندوق ذاته الذي موّل مسيّرات استُخدمت في قتل الفلسطينيين. وشارك في الاستثمار أيضًا صندوق هيرست فنتشرز التابع لمجموعة هيرست الإعلامية الأمريكية، الذي أعلن سابقًا أنه يواصل دعم شركات التكنولوجيا الإسرائيلية.
أثمن ما تملكه "لورا" ليس تعليم اللغة، بل المحادثات نفسها. تقول الشركة إنها جمعت أكثر من 200 مليون محادثة مع مستخدميها، وإنها تحللها لتطوير تطبيقها. وتعرف الشركة كذلك عمّا يتحدث الناس، فقد كشفت لصحيفة غلوبس الإسرائيلية أن مستخدمًا ألمانيًا خصّص 40% من محادثاته للحديث في السياسة، وأن مستخدمًا هنديًا تحدّث في 38 موضوعًا مختلفًا خلال 49 جلسة.
والتطبيق مصمَّم ليجعل الناس يتحدثون عن أنفسهم. فأغلب مستخدميه بين 25 و55 عامًا، و72% منهم يتعلمون الإنجليزية من أجل العمل، لذلك يتدرّبون فيه على مقابلات العمل والعروض المهنية. ومن يتدرّب على مقابلة عمل يذكر اسمه ومدينته وشهاداته ووظيفته، ومن يتحدث بحرية يتكلم عن عائلته وآرائه. وكل ذلك يُسجَّل بصوته.
ولا تطمئن شروط استخدام التطبيق المستخدمين. فقد وجدت منظمة كومن سينس ميديا الأمريكية، المتخصصة في تقييم التطبيقات، أن الشروط تسمح للشركة باستخدام نصوص المستخدمين وتسجيلاتهم الصوتية، بل وإتاحتها للعامة، ولا توضح إن كانت تُستخدم لتدريب الذكاء الاصطناعي، مع أن مؤسسي الشركة قالوا علنًا إنهم يدربون أنظمتهم على بياناتهم. ولاحظت المنظمة أيضًا أن التطبيق لا ينبّه المستخدم إلى تجنّب مشاركة معلوماته الشخصية أو السرية. وفي تقييم سابق، وجدت المنظمة أن الشروط تسمح ببيع بيانات المستخدمين لجهات أخرى إذا وافقوا، وباستخدامها في الإعلانات الموجّهة.
لماذا يهمنا هذا كفلسطينيين؟ لأن الشباب الفلسطيني هو بالضبط الفئة التي يستهدفها التطبيق، الخريجون والباحثون عن عمل في الضفة وغزة والشتات يحتاجون الإنجليزية للعمل عن بعد والمنح والسفر، والتطبيق رخيص، إذ يكلّف نحو 10 دولارات شهريًا بدل 50 دولارًا لساعة واحدة مع معلّم خاص. لكن الصوت بصمة لا يمكن تغييرها، والحديث المتكرر عن العمل والمكان والآراء يكوّن مع الوقت ملفًا كاملًا عن صاحبه، تحتفظ به شركة يرتبط مؤسسوها وممولوها بمنظومة أمنية تراقب الفلسطينيين باستمرار، والتجربة تُظهر أن المنظومة الإسرائيلية تسعى إلى أي بيانات يومية عن الفلسطينيين، فقد خزّنت الوحدة 8200، وهي وحدة التجسس الإلكتروني في جيش الاحتلال، كميات هائلة من مكالمات الفلسطينيين اليومية على خوادم شركة مايكروسوفت.
والخطر لا يقتصر على الأفراد. فالشركة تعمل اليوم مع أكثر من 100 شركة وحكومة وجامعة حول العالم، وأي جامعة أو مؤسسة عربية تتعاقد معها قد تسلّمها بيانات موظفيها وطلابها دون أن يعلموا.
وتخطط "لورا" للتوسع أكثر، فهي تنوي مضاعفة عدد موظفيها خلال ستة أشهر تقريبًا، وستنفق المال الجديد على تطوير الذكاء الاصطناعي وعلى البنية التحتية لتخزين البيانات وتحليلها. في المقابل، تعمل الشركات الفلسطينية الناشئة في مجال التعليم الرقمي تحت قيود الاحتلال على الحركة وتحويل الأموال والوصول إلى المستثمرين، فلا تملك فرصة حقيقية لمنافسة شركة بهذا الحجم من المال.
المصادر: كالكاليست + واي نت + جيروزاليم بوست + بالس 2.0 + غلوبس + سي بي إنسايتس + ديكلاسيفايد يو كيه + رويترز + بريتانيكا
