
بالانتير شريكة الإبادة في غزة تدير ذخيرة الجيش الأمريكي
منح الجيش الأمريكي في أيلول/سبتمبر 2026 شركة "بالانتير يو إس جي"، الذراع الحكومية لشركة "بالانتير تكنولوجيز"، عقدًا بقيمة 48.1 مليون دولار لتطوير برمجية تتتبّع ذخيرة الجيش وتديرها. و"بالانتير" شركة أمريكية متخصصة في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، أسسها عام 2003 الملياردير بيتر ثيل مع أليكس كارب، رئيسها التنفيذي الحالي، وتقوم أعمالها أساسًا على عقود مع الجيوش وأجهزة الاستخبارات والشرطة.
ووفق بيان الجيش، ستدمج البرمجية الجديدة تسع منصات رقمية قديمة في نظام موحّد يعتمد تقنيات تجارية "بلا كود أو منخفضة الكود"، أي أدوات تتيح بناء التطبيقات دون برمجة تقليدية. وسيتمكن الجنود عبرها من تتبّع الذخائر في كامل دورة حياتها، من التخطيط والإنتاج والشراء، مرورًا بالتخزين والتوزيع، وصولًا إلى الاستهلاك والتخلص النهائي. وتمتد المرحلة الأساسية من العقد 12 شهرًا لتطوير النظام وتشغيله، مع إمكانية تمديده حتى خمس سنوات إضافية.
ويضاف هذا العقد إلى سلسلة طويلة من برامج الذكاء الاصطناعي العسكرية التي تقودها "بالانتير" لصالح الجيش الأمريكي. من بينها منصة "آرمي فانتيج" لتحليل بيانات الجيش، ونظام "الجيل القادم للقيادة والسيطرة"، ومنها أيضًا "عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية" المعروفة بـ"تيتان"، وهي محطة أرضية متنقلة تجمع بيانات الأقمار الصناعية والطائرات والمستشعرات وتحوّلها إلى معلومات استهداف.
ولا يمكن فصل هذا التوسع داخل المنظومة العسكرية الأمريكية عن علاقة "بالانتير" المعلنة بالمؤسسة العسكرية لدولة الاحتلال، ففي 12 كانون الثاني/يناير 2024، بعد نحو ثلاثة أشهر من بدء الإبادة الجماعية في غزة، أعلنت الشركة "شراكة استراتيجية" مع وزارة الحرب الإسرائيلية، وقال نائب رئيسها التنفيذي جوش هاريس لوكالة "بلومبرغ" إن هدف الشراكة تسخير تقنيات الشركة لدعم المهام المرتبطة بالحرب. وجاء الإعلان عقب زيارة ثيل وكارب إلى تل أبيب، حيث عقدا هناك أول اجتماع لمجلس إدارة الشركة لعام 2024 "تضامنًا" مع الاحتلال. والتقيا خلال الزيارة علنًا رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ، وسرًّا رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، وفق توثيق منظمة "أميريكان فريندز سيرفيس كوميتي" الحقوقية. ثم أعلنت الشركة لاحقًا تعميق تعاونها مع "مافات"، مديرية البحث والتطوير الدفاعي التابعة لوزارة الحرب الإسرائيلية.
ولم يُخفِ كارب موقفه في أي مرحلة. ففي 30 نيسان/أبريل 2025، وخلال منتدى "هيل آند فالي" في واشنطن، قاطعته متظاهرة مؤكدة أن تقنيات شركته تقتل الفلسطينيين، فلم ينفِ ذلك، بل أقرّ به، وسعى إلى تبريره بنزع صفة المدنيين عن الضحايا، ونشرت الشركة كذلك إعلانًا على صفحة كاملة في صحيفة "نيويورك تايمز" بعنوان "بالانتير تقف مع إسرائيل". وتفيد تقارير بأن برمجياتها استُخدمت في عمليات جيش الاحتلال لاستعادة أسرى إسرائيليين من غزة، وهي عمليات دفع الفلسطينيون ثمنها دمًا، فعملية النصيرات وحدها في حزيران/يونيو 2024 قتلت 274 فلسطينيًا وأصابت 698 آخرين، بحسب وزارة الصحة في غزة. وتشير التقارير ذاتها إلى استخدام برمجيات الشركة في الحرب على لبنان، ومنها هجمات أيلول/سبتمبر 2024 بأجهزة "بيجر" واللاسلكي المفخخة التي قتلت العشرات وأصابت الآلاف. كما يُشتبه بدعمها مركزًا عسكريًا أُنشئ في مدينة كريات غات في تشرين الأول/أكتوبر 2025 لتنفيذ خطة إدارة ترامب بشأن غزة.
وتشمل الشراكة، وفق توثيق منظمة "هو بروفتس" الحقوقية المتخصصة في رصد الشركات المستفيدة من الاحتلال، تزويد جيش الاحتلال بـ"منصة الذكاء الاصطناعي" التابعة للشركة. وهي أداة مخصصة للتحليل السريع للبيانات واتخاذ قرارات ساحة المعركة، وتحديدًا لإنتاج تحليلات لأهداف العدو واقتراح خطط قتالية. وتذكر حركة المقاطعة "بي دي إس" أن الشركة تزوّد المؤسستين العسكرية والاستخباراتية في دولة الاحتلال بأربعة منتجات رئيسية على الأقل، أبرزها منصة "غوثام" المخصصة للاستخدامات العسكرية والاستخباراتية وإنفاذ القانون. وتوثّق المصادر نفسها علاقة تمتد إلى عام 2013 على الأقل مع "الوحدة 8200"، وحدة التجسس الإلكتروني في استخبارات جيش الاحتلال، أي أن ارتباط الشركة بمنظومة الاستهداف والمراقبة الإسرائيلية سابق على الإبادة الجماعية الحالية بأكثر من عقد.
وتمسّ هذه العلاقة الفلسطينيين في حياتهم اليومية، لا في ساحات القتال وحدها. فمنصات مثل "غوثام" مصمّمة لدمج كميات هائلة من البيانات الشخصية، كالاتصالات والتنقلات والسجلات والعلاقات الاجتماعية، وتحويلها إلى ملفات تحليلية عن الأفراد. وحين تتسلم هذه الأدوات جهات تفرض سيطرتها على ملايين الفلسطينيين، يتحول الفلسطينيون إلى مادة دائمة للرصد والتصنيف. وقد استندت شركة "ستوربراند" النرويجية لإدارة الأصول إلى هذا الخطر بالذات حين صفّت استثماراتها في "بالانتير"، البالغة نحو 24 مليون دولار، معلّلة قرارها بأن الشركة تساعد الاحتلال في مراقبة الفلسطينيين.
وتكمن الإشكالية الجوهرية في أن كل عقد عسكري غربي جديد تحصل عليه "بالانتير"، حتى لو بدا إداريًا وبعيدًا عن القتال كعقد إدارة الذخيرة، يرفع إيراداتها ويوسّع قدراتها الهندسية ويمنحها شرعية مؤسسية إضافية. والشركة التي تبني لأمريكا أدوات توليد خيارات الاستهداف عبر "تيتان" ونظام "مايفن" الذي يستخدمه الجيش الأمريكي لدعم قرارات الاستهداف، هي ذاتها التي توفّر لجيش الاحتلال، بحسب "هو بروفتس"، منصة لتحليل الأهداف واقتراح الخطط القتالية في غزة. وبهذا يصبح اعتماد الجيوش الغربية المتزايد عليها، حتى في المهام اللوجستية، دعمًا ماليًا ومؤسسيًا لشركة تعلن فخرها بدورها في عمليات الاحتلال في غزة ولبنان.
المصادر: الجيش الأمريكي + ديفينس نيوز + ديفنس إندستري يوروب + غوف كون واير + بلومبرغ + أميريكان فريندز سيرفيس كوميتي + هو بروفتس + بي دي إس موفمنت + بيزنس آند هيومن رايتس ريسورس سنتر + إسرائيل هيوم + غلوبس + سي بي سي نيوز
