
أداة اختراق هواتف أسرى غزة تحصل على جواز أمريكي
سيلبرايت شركة تأسست عام 1999 في بيتاح تكفا قرب تل أبيب، وتصنع أجهزة وبرامج تفتح الهواتف المقفلة وتسحب كل ما بداخلها. تقول الشركة إن نحو 7,000 جهة حول العالم تستخدم أدواتها، معظمها أجهزة شرطة وأمن واستخبارات. وعندما تضع هذه الجهات يدها على هاتف شخص ما، تستطيع الأداة أن تستخرج صوره ومحادثاته وكلمات مروره وسجل مواقعه وسجل تصفحه، بل وحتى بعض ما حاول صاحبه حذفه.
في 14 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت الشركة أنها ستنشئ شركة أمريكية جديدة تصبح الشركة الأم، أي أن "جنسيتها القانونية" ستنتقل من دولة الاحتلال إلى الولايات المتحدة، بشرط موافقة المساهمين والجهات الرقابية، على أن يكتمل ذلك في النصف الأول من 2027. وبرّر رئيسها التنفيذي الجديد شيف رامجي القرار بأن الولايات المتحدة هي أكبر سوق للشركة، وأن الخطوة ستجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين وتفتح لها أبواب المؤشرات المالية الكبرى.
لكن ما لا يتغير أهم مما يتغير. فبحسب صحيفة كالكاليست الاقتصادية العبرية، ستستمر عمليات الشركة في دولة الاحتلال كما هي دون تسريح أي موظف. بمعنى آخر، يتغير العنوان المكتوب على الورق، بينما يبقى الفريق الذي يطوّر الأدوات في بيتاح تكفا. وهذا الفريق مرتبط تاريخياً بالمؤسسة الأمنية، إذ أفادت تقارير صحفية عبرية منذ 2016 بأن الشركة تركّز على توظيف خريجي الوحدة 8200، وهي وحدة التجسس الإلكتروني في جيش الاحتلال.
لماذا أمريكا تحديداً؟ لأن الحكومة الأمريكية زبون ضخم. فقد جدّدت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية عام 2025 عقداً بقيمة 11 مليون دولار مع سيلبرايت لفتح الهواتف ونسخ كل بياناتها، بما فيها رسائل واتساب وسيغنال، وتخطط الوكالة لإنفاق ما يصل إلى 100 مليون دولار على أدوات الشركة خلال خمس سنوات. كما أنشأت الشركة سابقاً كياناً أمريكياً باسم "سيلبرايت للخدمات الفيدرالية"، وتسعى للحصول على اعتماد حكومي يسهّل بيع أنظمتها للوكالات الفيدرالية. "الجواز الأمريكي" إذن هو الخطوة الأخيرة في طريق بدأ قبل سنوات.
والأداة نفسها تتطور، فلم تعد سيلبرايت تكتفي بفتح الهاتف، بل أضافت إليه الذكاء الاصطناعي. ففي 2025 أطلقت ميزات تحلل سجل التصفح تلقائياً لتحدد ما بحث عنه الشخص ومتى، وفي آذار/مارس 2026 أطلقت منتج "جينيسيس" الذي يعمل كمحقق آلي، وتقول الشركة إنها تشارك في نحو 3 ملايين تحقيق سنوياً. الفرق هنا كبير: سابقاً كان المحقق يقرأ محتوى الهاتف بنفسه، أما اليوم فيستطيع النظام أن يربط آلياً بين الأشخاص والأماكن والمحادثات، فيتحول هاتف شخص واحد إلى خريطة لكل من يعرفهم.
ماذا يعني هذا للفلسطينيين؟ وفق قاعدة بيانات "إنفستيغيت" التي تديرها منظمة أمريكية تتتبع الشركات المتورطة في الاحتلال، استُخدمت أدوات سيلبرايت خلال الإبادة الجماعية في غزة لسحب بيانات هواتف آلاف الفلسطينيين المعتقلين من القطاع، مع أن جيش الاحتلال اعترف لاحقاً بأن أغلبهم مدنيون. وتذكر القاعدة أيضاً أن الشركة حصلت على تمويل من وحدة تابعة للبنتاغون لتطوير منتج يرسم خرائط الأنفاق في غزة، وأن شرطة الاحتلال تستخدم أدواتها منذ 2016 على الأقل بعقود تقارب 11 مليون دولار حتى 2025، تُجدَّد دون مناقصة.
ولا يتوقف الأمر عند الاحتلال. ففي كانون الثاني/يناير 2026، نشر مختبر سيتيزين لاب، وهو مركز أبحاث في جامعة تورنتو الكندية متخصص في رصد التجسس على المجتمع المدني، تحقيقاً أثبت أن الأجهزة الأمنية الأردنية استخدمت أدوات سيلبرايت ضد ناشطين، وعرض سبع حالات موثقة مع الإشارة إلى عشرات الحالات الأخرى، وبيّن أن الاستخدام قائم منذ 2020 على الأقل. ومن بين المستهدفين ناشط اعتُقل بعد منشورات على منصة إكس انتقد فيها مواقف الدول العربية من دولة الاحتلال وتضامن مع الضحايا الفلسطينيين. أي أن الأداة التي تفرغ هواتف أسرى غزة تُستخدم أيضاً لملاحقة من يتضامن معهم في الدول المجاورة.
ونجد النمط ذاته في دول أخرى. ففي صربيا، كشفت منظمة العفو الدولية أن الشرطة استخدمت أدوات سيلبرايت لفتح هواتف صحفيين وناشطين، ثم زرعت فيها برنامج تجسس سراً أثناء وجودهم في مراكز الشرطة. ولم تتوقف الشركة عن البيع لجهات مثيرة للجدل مثل الصين وروسيا وبيلاروسيا إلا بعد أن انكشف استخدام أدواتها فيها.
أما من يملك الشركة، فأكبر مساهميها شركة صن اليابانية التي اشترت حصة الأغلبية عام 2007 بـ17 مليون دولار، وتملك اليوم قرابة 45% من الأسهم. وزبائنها منتشرون من أقسام الشرطة في الولايات الأمريكية كلها إلى معظم دول الاتحاد الأوروبي، وصولاً إلى بريطانيا، حيث كشفت تحقيقات أن عدداً من أجهزة الشرطة هناك يتعاقد معها.
الخلاصة أن نقل التسجيل لا يغيّر شيئاً في ما تفعله الأداة أو في من يصنعها، لكنه يغيّر الصورة. فالحكومة الأوروبية أو الأمريكية التي تتعرض لضغط بسبب شرائها أدوات مرتبطة بالاحتلال، ستتعامل بعد 2027 مع "شركة أمريكية"، ووسط هذا سيبقى الفلسطيني المعتقل والآخر المحتجز على حاجز عسكري، وهاتفه، الحلقة الأضعف.
المصادر: سيلبرايت + كالكاليست + فيد سكوب + إنفستيغيت + سيتيزين لاب + منظمة العفو الدولية
